القائمة الرئيسية

الصفحات

أخر المنشورات [LastPost]

التفكير اللاعقلاني


بقلم :سالم أبوظهير
هناك أفكارٌ سماها الطبيب وعالم النفس الأمريكي ألبرت إليس بالأفكار اللاعقلانية. هذا العالم الشهير كان أول من انتبه لخطورة سيطرة هذه الأفكار على النفس الإنسانية وخطورتها على الفرد والمجتمع. وألبرت هو المؤسس الحقيقي لما يعرف في علم النفس بنظرية "العلاج العقلاني الانفعالي السلوكي"، التي أسهمت في علاج الكثير من الأمراض النفسية والتي منشؤها وسببها غالباً سيطرة أفكار لاعقلانية على الانسان. وقد وصفت مجلة ( سايكولوجي توداي) الطبيب ألبرت إليس بأنه "أعظم عالم نفس معاصر".
وأحاول هنا استعراض بعضٍ من هذه الأفكار اللاعقلانية التي تسيطر على بعضنا، والتي أكد ألبرت إليس في نظريته على أنها مؤشر حقيقي لوجود مرض نفسي أو لحالة نفسية غير سوية على أقل تقدير، كما سأستعرض الحالة العقلانية المفترض أن تكون.
بعضنا وخاصة ممن لديه سلطة صنع القرار، تسيطر عليه فكرة أنه من الضروري أن تنال فكرته التأييد من المحيطين به، وأن فكرته هو هي (الصح)، معتمداً على اسمه أو شكله أو علمه أو خبرته في عمله أو انتمائه، ليتصور دائما أنه محط إعجاب وتقدير واحترام المحيطين به. وهذا وبشكل قطعي غير معقول ولامنطقي، فالفكرة العقلانية هي أن كسب التأييد والحب والقبول من الجميع، أمر نسبي  يعتمد على احترام الذات واتباع السلوك السوي الذي يقدره حتما الآخرون، ومدى استعدادك وقدرتك لتحب الآخرين ليبادلوك نفس الحب وبنفس المقدار.
الفكرة غير العقلانية الأخرى، هي "أن من يخالفني في الرأي شرير ومجرم وجاهل ويجب معاقبته أيضاً". تبدأ هذه الفكرة عند مستوى بسيط، يثمتل في تجاهل الآخر وعدم التعامل معه لأنه لا يشجع الفريق الذي تشجعه مثلا أو لا يتفق معك في فكرة عابرة، ولكن مخاطرها تتعاظم لدرجة كبيرة عند المطالبة بقتل أو تعذيب أو سجن أو تهجير  من "يخالفني الرأي والتوجه لأنني الأقوى، أو لاعتقادي أن فكرتي هي الأصح".
هذه الفكرة اللاعقلانية غالبا ما تكون ناتجة عن جهل أو غباء أو عدم دراية، أو بسبب اضطراب انفعالي ما. يتوجب علينا جميعاً التصدي لها لخطورتها، ويجب التخلص منها واستبدالها بفكرة عقلانية مفادها أنه لا يوجد معيار مطلق للصواب والخطأ وأن كل إنسان خاطئ، وأن للعقاب شروطه وضوابطه، وأن العقاب بأي شكل من أشكاله إذا ما قام به من ليس هو أهل له، لن يؤدي إلى تحسين السلوك وإنما ينتج عنه مزيد من الاضطراب في التصرفات، ناهيك عن زيادة حدة الكراهية والحقد والغضب عند من عاقب ومن عوقب.
هناك فكرة لاعقلانية أخرى تسيطر على بعضنا ونركن إليها أحيانا وتثمثل في الاعتقاد بأن تحاشي بعض المشكلات أسهل من مواجهتها، يعني (ابعد ع الشر وغنيله). وهذه فكرة مؤذية ومسببة لحدوث مشاكل مضاعفة، ويصبح وقتها حل المشكلة الأولى أيسر جدا من حل المشاكل التي نتجت عنها بسبب تجاهلها، لأن أنصار هذه الفكرة ومناصروها يعتقدون أن الزمن سيتكفل بحلها. والفكرة العقلانية المقابلة هي أنه علينا مواجهة المشكلات التي تواجهنا بشجاعة وتكاتف وقوة وتحدي، مسخرين كل الإمكانيات في سبيل أن نصل كجماعة إلى مبتغانا جميعاً، بعيدا عن النظر للأمور بعين واحدة، وبعيداً عن التفكير السطحي الذي يرتكز على فكرة "من ليس معي فهو ضدي".


فكرة أن نبالغ في الاعتماد على غيرنا ليحل لنا مشاكلنا، لأنه أجدر أو أقوى، أولأي اعتبار آخر، هي فكرة غيرعقلانية إطلاقاً. ومن أخطر مخاطرها أن اتّباعها والمناداة بها والتصفيق لها يؤدي بنا كأفراد أو كجماعات لفقدان حريتنا وعدم قدرتنا الحقيقية لتحقيق ذاتنا. وهذا بحد ذاته مشكلة أخرى تجعلنا أداة طيعة في يد الغير، واعتمادنا عليه في الأساس هو أمر غير محمود العواقب. هذه الفكرة اﻟﻼﻋﻘﻼنية التي تسيطر علينا، يجب مواجهتها بفكرة عقلانية أخرى نجدها ببساطة في المثل الجميل القائل (ما حك جلدك مثل ظفرك)، ويجب أن نكافح جيداً ونجتهد في حل مشاكلنا معتمدين على أنفسنا من أجل تحقيق ذاتنا واستقلال أفكارنا واحترامنا لخصوصيتنا الثقافية، إن كان هذا يهمنا بشكل حقيقي.

تعليقات