القائمة الرئيسية

الصفحات

أخر المنشورات [LastPost]

كم طبيباً نفسياً يحتاج أطفال ليبيا..!

 كم طبيباً نفسياً يحتاج أطفال ليبيا..!

ما يحدث منذ سنوات في ليبيا من حروب عمياء، يعد  كارثة من الكوارث التي تستوجب دق أجراس الخطر، إذ وجد المواطن الليبي نفسه متورطاً في حروب قذرة نتائجها سيئة جداً، وأشدها خطورة تلك المتعلقة بالآثار النفسية والمعنوية لهذه الحرب سواء على المقاتلين أو على المـدنيين بشـكل عـام، وعلى الأطفال بشكل خاص جداً.
في علم النفس، ثمة فروع وأقسام تختص بتقديم التوجيه والإرشاد والعلاج النفسي، وتهتم بكل ما من شأنه أن يقلل حدوث المشاكل السلوكية والنفسية والاضطرابات التي تحدث للإنسان بسبب الكوارث الطبيعية والحروب التي تدمر البيئة والعمران.
وبمجرد انتهاء هذه الكوارث، تبدأ حكومات الدول المنكوبة بتخصيص ما يلزم من جهود بشرية ومادية، تستهدف إعادة إعمار ما تضرر مادياً، وتولي أهمية قليلة نسبيا لعلاج الآثار السلبية الأكثر مأساوية، والمتعلقة بما تتركه هذه الكوارث والحروب في نفوس مواطنيها من أثر، خصوصا لدى الأطفال.
هذه الحرب المروعة، التي  تستعر نيرانها في ليبيا لازالت نتائجها المروعة مستمرة، وستبقى عالقةً في ذاكرة أطفال لسنوات طوال، وصنفت بعض الدراسات ردود أفعال الأطفال إزاء الانفجارات والخوف الذي يرافقها إلى ردود فعـل أولية، وتشمل التخدير الحسي عند سماع الانفجار، ثم الانتقال إلى مرحلة عدم استيعاب الحدث، تتبعها مرحلة الهستيريا من صراخ وبكاء، وردود فعل قريبة الأمد تشمل الصعوبة في التفكير السليم، وحدوث حالات من القلق والاضطرابات، وردود فعل متوسطة الأمد. وتبدأ بالشعور بعـدم الاطمئنان، وأحيانا يشعر الراشدون منهم بالإحساس الشديد بالذنب لعدم قدرتهم على تقديم المساعدة لمن صادف أنهم طلبوا منهم ذلك وهم لايقدرون عليها، وهذا يؤدي بمرور الوقت لأن  تنتابـهم حالات شديدة من الغضب الناتج عن هذا العجز، مما يؤدي إلى انتكاسات نفسية وجسدية جسيمة. أما ردود الفعل طويلة الأمد فهي الأكثر تعقيداً وخطورة، وتجعل الإنسان مقيداً على الدوام لشعوره أنه غير قادر على التكيف مع الأحداث والبيئة المحيطة به.
والمتضرر الأكبر من هذه الاضطرابات هم الأطفال، وإن لم نتدارك أثارها السيئة بأسرع ما يكون، سيكون لزاما علينا بعد سنوات أن نتعامل بشكل مختلف تماماً مع جيل من الشباب في ذاكرته حرب وقتل وتدمير وتهجير وخطف. ذلك يؤثر على صحته النفسية، فتتحول هذه الآثار إلى أمراض نفسية مزمنة، يصعب علاجها بل ويصعب أحيانا إقناع المريض أنه مصاب بها. ومرة أخرى أؤكد أن ماتخلفه الحرب من تدمير على الأرض، يمكن تداركه في وقت أسرع مما تخلفه آثارها النفسية السيئة على الأطفال، وإهمال علاج المشكلات النفسية والاجتماعية الناجمة عنها، تؤدي إلى حالات من عدم توافق الأطفال مع أنفسهم ومع الآخرين أيضاً، فتنعكس سلوكياتهم النفسية الغير سوية على المحيطين بهم من أولياء أمورهم ومعلميهم ورفاقهم في اللعب، ويصبح بذلك الأمر أكثر تعقيداً، إذ يحتاج تأهليهم وعلاجهم إلى متخصصين في هذا المجال.

تدريجياً، تتحول هذه المشكلات السلوكية - إذا ماتم تجاهلها- إلى ما يُعرف في علم النفس بالاضطرابات السلوكية، وهي اضطرابات تسبب الفشل المستمر والإحباطات المتكررة، وتشكل خطورة حقيقية على الفرد بشكل خاص وعلى المجتمع  بشكل أشمل. وبحسب أساسـيات النظرية البيئية في تفسير السلوك المضطرب التي ترى أنه ليس هناك سلوك مضطرب بالوراثة، ولكنه يحدث بالضرورة نتيجة عدم التوازن والتطابق بين ما يتطلع إليه الفرد وبين ماهو موجود في البيئة المحيطة به. وتحدث كذلك نتيجة للتفاعل الذي يحدث ما بين الفرد والبيئة المحيطة به، فإذا كان هذا التفاعـل إيجابياً، ينتج عن ذلك سلوكا سوي. أما إذا كان هذا التفاعل سلبياً، فينتج عن ذلك سلوك مضـطرب. لذا لابد من أن نتكافل جميعاً  للحد من خطورة هذه المشكلة حتى لا تتفاقم ولنكون في مأمن من خطر تحول أطفالنا إلى مرضى نفسيين يعانون من اضطرابات سلوكية نفسية،  وقتها سنكون بحاجة لجيش من الأطباء والمعالجين النفسيين لإرجاعهم أسوياء.
سبق نشر المقال في موقع هنا صوتك الهولندي

تعليقات