أخر الأخبار

صحافة ليبيا: تاريخ طويل وواقع بائس


صحافة ليبيا: تاريخ طويل وواقع بائس
كتب :سالم أبوظهير
في ليبيا، وعلى مدى سنوات طويلة، دفع الصحافيون ثمنا باهظا من أجل أن تكون الصحافة الليبية حرة مستقلة، منحازة بالكامل للوطن وأبنائه.
وعبر التاريخ، كان للصحافة دور مهم في الاهتمام بقضايا الوطن، فكان لمؤسس الصحافة الليبية عتمان القيزاني، دور فاعل عبر مقالاته في صحيفة "الترقي" وتوعيته للمواطن الليبي على ظلم الاستعمار التركي وعنجهيته، حتى تخلصت ليبيا من سطوة الاتراك. وفي عهد الايطاليين وسيطرتهم على البلاد، تأسست أول جريدة في تاريخ ليبيا وهي جريدة "اللواء" الطرابلسية، وكانت تحت اشراف مالي من بعض التجار في مدينة مصراتة، وحزب الإصلاح الوطني، ولكنّ الإيطاليين قاموا بقفل مقرها ومنعها من الصدور حتى توقفت نهائيا عن الصدور في  منتصف العام 1923.
وكانت الصحافة الليبية في أحسن احوالها في عهد المملكة الليبية، وقد كان هناك نحو 33 مطبوعة بين جريدة ومجلة ودورية تصدر بانتظام، وكانت غالبية الكتّاب والمحررين وطنية منحازة للوطن، تنشر الثقافة الليبية الصحيحة، فساهمت بشكل فعّال في توعية ذلك الجيل الذي عاصر المملكة، فكان من الاجيال الواعية المتفتحة وطنيا، يحب ليبيا ويغار عليها. كما كفل الدستور الليبي حرية الرأي والصحافة والنشر، وأشارت المادة 23 منه إلى أن "حرية الصحافة والطباعة مكفولة في حدود القانون".
اما في عهد حكم معمّر القذافي الطويل بجمهوريته وجماهيريته، فخُنقت حرية الصحافة بشكل علني، وزُج بالصحافيين والمثقفين في السجون منذ الشهور الأولى لتسلمه الحكم، ثم أعلن الثورة الثقافية فعطّل القوانين المعمول بها، والغى الصحافة الخاصة وصارت تبعية الصحافة لما كان يسمى بأمانة الاعلام، ولم يتردد في التنكيل بالمخالفين للقوانين الجماهيرية وحتى التمثيل بجثث بعضهم. وتحولت الصحافة في ليبيا في عهده الى صحافة بائسة خاضعة للحاكم، وسادت سياسة الخِطاب الواحد، الخاضع بشكل مطلق له، فنجح القذافي بامتياز في إحكام قبضته على كل ما يُكتب ويقال، وعلى ما كان يبث ويذاع من صياغة الأخبار إلى المسلسلات، مروراً ببرامج المنوعات وحتى برامج الأطفال... فكانت كلها لا تخرج عن إطار مرسوم بدقة وعناية شديدة، عنوانه الرئيسي حماية الثورة والوفاء للقائد
وقبل نهاية القذافي بسنوات، تغيرت الخريطة وانفتحت ليبيا على العالم الخارجي، وتأسس مشروع "ليبيا الغد" بقيادة سيف القذافي تسانده ماكينة اعلام جديدة بمؤسسات أكثر انفتاحا، وبمناخ أكثر تسامحا وبسقف للحريات اعلى مما كان عليه خلال سنوات حكم  القذافي الطويلة.
وفي السنة الأولى والثانية من ثورة فبراير 2011، شهدت الصحافة ازدهارا جديدا لم تألفه، فازدهر معها سوق الحبر الليبي، وخرجت صحف جديدة بحرية مطلقة الى السوق، ولكن سرعان ما خبت وتوارت تحت التهديد أو الخوف، وتدريجيا اختفت نهائيا صحف الثورة والثوار، وتراجعت حرية الصحافة، وهرولت الى الخلف، حتى وقعت تحت سطوة الإعلام المسيس، الذي تخلص من قيـود الخطاب الإعلامي الحكومي، ليقع في قبضة رأس المال الخاص، في غياب مواثيق شرف المهنة. وفقد بعض الصحافيين وظائفهم الأساسية المتمثلة في إعلام الناس بالخبر اليقين، ليتحولوا إلى أدوات تحقق مكاسب خاصة لمالكي الصحف، وصار لزاماً على المواطن أن يستهلك غصبا عنه مختلف الآراء والتوجهـات، التي وإن كانت محرّمة في الماضي، كان ضررها أقل مما يحدث الآن، من تطبيل لتحقيق المنافع الشخصية المتعارضة مع مصلحة الوطن.
وتدريجيا، اكتشف المواطن الليبي العادي، أنه انتقل من إعلام بائس احاديّ الصوت إلى اعلام متعدد يقلب الحقائق، وينشر الفتن بأصوات نشاز ليخدم مصلحته فقط ويضر بمصلحة الوطن!.
مقال سبق نشره في موقع المغارب اللبناني

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -