أخر الأخبار

الأستاذ بشير زعبية يكتب عن الأستاذ منصور أبو شناف



الأستاذ بشير زعبية يكتب عن الأستاذ منصور أبو شناف

أكتب مجدّدا عن منصور، مقتبسا أسلوبه حين يكتب العمود، إذ يختزل ويختصر ويفيد، لكنه لا يترك شيئا يغيب، إنه سيد الاختزال الشامل الثري، يجب أن يحفظ جيل الكتاب والكتابة الجدد هذا الإسم جيدا، لأن ذاكرتنا موصومة دائما بالضعف والقصور، ولم نتعوّد الإحتفاظ بأسماء تصدرت صفوفا أعطت للوطن وصار بعضها رمزا من رموزه، سياسية كانت أم ثقافية أم وطنيّة في العموم، ولم تسعفنا ذاكرتنا، أو لم نحاول أن نساعدها كي تسعفناعلى تذكرهم والتذكير بهم، كمبدعين أعطوا كل في مجاله وأثروا المشهد الليبي وأثروا فيه بكل مكوناته وتعدده وتنوعه ..

منصور أبوشناف، كما قلت في كتابة سابقة مثقف شامل، وكاتب من طراز رفيع، متمكن من أسلوبه ومن مفرداته، محترف في دفع القاريء حيث الدهشة، وجرّه إلى حالة إنبهار، إنه حين يكتب العمود الصحفي، على سبيل المثال، فهو يتجاوز العمود في مضامينه ورؤاه، إنه يتفنن في غزل كلماته بعد أن ينتقيها بعناية، كأنه يعصر اللغة ويقدم لقارئه عصيرا معرفيا يفيض لذة ويزخر بفيتامينات الفكر، بل أحيانا ينتقى المفردة وكأنه ينتقي حبة من عقد لؤلؤ .. أسأل نفسي وأنا أقرأ مقالا ما لمنصور : كيف سيغوص في هذا العنوان؟ من أين له هذه القدرة على شدّ قارئه، أو من أكرمته المصادفة بأن يقرأ له من أول حرف يبدأ به غزل المقال ؟! وكيف بالقدرة نفسها يحيل العمود المختصر المركّز إلى ما يشبه البحث العميق المتفرع، يستدعي فيه التاريخ ويسقطه بعناية على الحاضر في نص ممزوج بلغة الرواية والحكاية والتحليل الخفي؟ إنه يجيد التلاعب الجميل بانسياق القاريء وبمزاجه، وبحرفية ساحر خبير يخطف القاريء، ويقوده إلى جنة الشكل وأحيانا إلى جحيم المضمون، ذلك الجحيم الذي سرعان ما يدرك القاريء أنه جزء منه ولم يكن يدري، يغوص منصور حين يكتب في عمق المعرفة، فيجرّ قارءه معه إلى منطقة الغوص، هناك، حيث يدلّه على اكتشاف أحجار المعرفة الكريمة بألوانها ومكوّناتها المتنوعة المبهرة، وعليه –القاريء- أن يختار حينها بين الفرجة الممتعة أو محاولة اقناء شيئ من الكنز المكشوف أمامه.. لو أتيح لي أن كتبت عن الصادق النيهوم كاتب العمود الصحفي خلال فترة الستينيّات، لما كتبت أكثر مما ذكرت هنا.. أقول هذا وأنا أكتب عن منصور أبوشناف كاتب المقالة، فماذا عساي أن أكتب عن منصور الروائي والمسرحي والناقد الأدبي والفني ؟!

تحية للكاتب المبدع الليبي الصديق منصور أبو شناف
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -