أخر الأخبار

مكافحة التمييز في ظل انهيار الدولة..!!



مكافحة التمييز في ظل انهيار الدولة

تقرير : عواطف الطشاني 
تتشرف صحيفة  المنظار بنشرهذه الورقة المهمة التي تقدمت بها الاستاذة عواطف الطشاني لمؤتمر دولي إنعقد في مدينة الحمامات التونسية يوم الجمعة الماضي 19-10-2018م ، وأشرف عليه المجلس الثقافي البريطاني فرع ليبيا 
------
 مكافحة التمييز في ظل انهيار الدولة : واقعية أم ترف؟

منذ سنوات وبعد هطول المطر في مناطق معينة من ليبيا، ظهرت كتابات تشكو من التهميش حتى من قبل الظواهر الطبيعية، باعتبار ان الامطار نزلت في مناطق بعينها، ليجتمع على مناطق أخرى الجفاف الطبيعي والخدمي، في محاكاة ساخرة للدمج بين الحالتين.
تمثل هذه الدعابات المتكررة على شبكات التواصل الاجتماعي، اطار نفسيا واجتماعيا لنظرة متزايدة باعتبار ان النظام السياسي والإداري والخدمي، هو نتيجة مثل ما أنه سبب في مظاهر غياب التنمية وتراجع الجانب الخدمي في البلاد.

شكوى التمييز مبرر زعامات طارئة
ولابد من التنويه إلى أن هذه الورقة تحاول رسم مشهد العوائق الرابضة امام المسؤول، او خطط مكافحة التمييز وعدم المساواة، فهي تنطلق من الواقع الليبي، بتشخيصه بدلا من اسقاط مفاهيم ونظريات عامة على واقع ملتبس كالواقع الليبي.
وبمعزل عن مدى صحة الشكوى من التهميش وعدم المساواة باعتبارات جهوية ومناطقية، فإن الدور السلبي الذي ينتج عن هذه القناعات، يساهم لا في عرقلة الاداء الحكومي فقط، بل يجعل العمل ضد السياسات العامة للحكومة – ايا كانت – لمكافحة التخلف والعجز في قطاع الخدمات، مبررا بشدة، وله ما يسنده.
في هذا الشأن من الواضح ان شعار عدم المساواة والتهميش، بات وسيلة لخروج زعامات محلية، وخطاب شعبوي يندد بالتمييز، حتى دون أدلة واضحة، واذا كان تخلف قطاع الخدمات والسياسات التنموية حقيقة واقعة، فإن توظيفها السياسي، يعمق من الازمة، ويدفع باتجاه تعزيز مناخ عدم الثقة بين المؤسسات السياسية والمسؤولين من جهة، والمجتمعات المحلية، وقياداتها من جهة اخرى.

المكونات : وفقر الحوار العميق
ولعل من الأمثلة المتكررة للتمييز تأتي المسألة الثقافية، وما يسمى بالمكونات الثقافية، كقضية تحتاج لنقاش وطني حقيقي، يعالج الازمة بصراحة، ومن المثير حقا الإشارة ألى انه ورغم غياب المكون الامازيغي عن لجنة صياغة الدستور ومقاطعة انتخاباتها، إلا انني وبشكل شخصي، في حديثي مع عديد من النشطاء الامازيغ، وعبر نداوات ولقاءات نقاشية عديدة، اظهروا موافقتهم – ولو بملاحظات – على المسودة التي تم انجازها للدستور الليبي الجديد.
وهنا اعتقد انه عند الحديث عن التهميش وعدم المساواة يستدعي استرجاع السياق التاريخي السياسي للسلطة الحاكمة، فبعد طفرة النفط في الستينات من القرن الماضي، بدأت الخطط التنموية في البلاد، وهو امر استمر زخمه بعد انهاء الحكم الملكي، لكن القبضة الامنية للسلطة منذ نهاية السبعينات، ودخول النظام في صراع مع دولة غربية، اسهم في تعطيل حركة التنمية، وألغى اي دور للقطاع الخاص بسبب التوجه الاشتراكي للنظام.

المجتمع المدني : غياب ممنهج !!
ومن ذلك لا يحتاج المرء للكثير من الحديث عن غياب او انعدام اي دور للمجتمع المدني وفقا لما تقدم، ومع تعزيز طبيعة الدولة الريعية، التي تعتمد اساسا على النفط، وضمور القطاع الانتاجي الزراعي والصناعي، بات الاعتماد على الدولة وما تقدمه السبيل الوحيد تقريبا امام المواطنين.
ونتيجة لما سبق برز عاملين اساسيين الأول : عدم قدرة الدولة على تغطية الخطط التنموية المقترحة، واعتماد المجتمع عموما على عطايا الدولة بالكامل، الامر الذي اسهم في ثقافة تجعل الدولة وما فيها، حق مستباح وفق ثقافة الغنيمة الفردي اولا ثم العائلية او الاجتماعية.
ومع زوال قوة السلطة وعنفها عقب احداث ما يعرف بالربيع العربي، ومع تعمق ثقافة الغنيمة تجاه المال العام، وغياب الرقابة والتفلت من العقاب بسبب انهيار الادوات الامنية، تم انتهاك كل ما يعرف بالحق العام، واعتباره حقا مشروعا لكل من يصل إليه، لكن الصراع السياسي وازمة الشرعية، جعلت التنمية المحلية وعلاج شكاوى التهميش وازمة عدم المساواة شعارا سياسيا للحكومة وللمعارضة ايضا.

بنية حماية التمييز ... 
من المهم صراحة التعبير عن استخدام الحكومات المتعاقبة بعد 2011 للتهميش ضمن صراعاتها الساسية والبحث عن تعزيز التوازنات وحشد التحالفات، فلم يتم التعرض بشكل جوهري اساسي لمشاكل التهميش وعدم المساواة، خاصة في مناطق الجنوب الليبي بالذات.
وهكذا اجتمعت عدة عوامل على تشييد بنية متماسكة للاسف عززت عدم المساواة وعرقلة علاجها من ذلك :

  • -  غياب الاطار الدستوري والقانوني لمنع او علاج مظاهر التمييز الخدمي وعدم المساواة او تلبية الاحتياجات المناطقية والجهوية. وتعمق الدولة والإدارة المركزية بشكل كبير جدا.

  • -  غياب المبادرات المدنية وضمور القطاع الخاص، الذي يعتمد اساسا مبدأ مرابحة وكسب اكثر من النشاط الانتاجي.

  • -  تشوه جسم المجتمع المدني، واهتمامه بالمشهد السياسي، اكثر من لعب دور الوسيط الايجابي بين الحكومة او السلطة من جهة والمجتمع والبيئات المحلية من جهة أخرى.

  • -  غياب معالجات حقيقية للبعد الثقافي، أو استراتيجية اعلامية مناسبة لتحشيد أهمية دفاع المواطن عن ثروة المجتمع عموما، وهو امر أسهم فيه بقوة تدهور الوضع الأمني.
التنمية السياسية ايا كان مفهومها، سواء لبناء المؤسسات وتعزيز الحوكمة، او تحصين الشرعية السياسية والثقة المبتادلة بين الحكومات والوسط المجتمعي، أو ان التنمية السياسية هي ما يضمن اداء افضل ودوء فاعل للسلطات الثلاث خاصة التنفيذية منها، في كل الاحوال والتعريفات يظل غياب المساواة والتمييز عائقا جوهريا لذلك، وهو امر لم يتم علاجه بسبب ما سبق، خاصة التوتر السياسي، وصدام الشرعيات.

مكافحة التمييز : الأهمية ... والصعوبات !!
فالسؤال هل البحث عن توفير خدمات، او ضمان حقوق، في ظل تشظي سياسي، وعنف سياسي واجتماعي، أمر واقعي أم خيالي لحد كبير، على الاقل ان اي توصيات تخرج من اي مؤسسة او مبادرة، ستجد نفسها محكومة بهذا الانقسام، فمن هي الجهة التي يمكن مخاطبتها، دون التورط في الاستقطاب السياسي، او الحسبان على جهة دون أخرى؟.
وهكذا يبدو الأفق شبه مسدود أمام علاج الأزمات في الاطار الزمني والسياسي الراهن، طالما استمر الانقسام وصدام الشرعيات، إن اي مبادرة سياسية، ستكون وسيلة لسوء الفهم، في ظل هذه التوتر الراهن، وهو أمر سيزيد على الارجح من تفاهم مظاهر التهميش، وسحق الفئات الأضعف، والمناطق الأبعد عن المركز، في دولة مترامية الاطراف، وتعاني بالفعل من ازمات تنموية حقيقية على جميع الاصعدة.
اتمنى أن لا اكون متشائمة أكثر من اللازم، وسأكون سعيدة للغاية، لو صح عكس ما قلته هنا ... لكن ربما مواجهة الذات أقرب بكثير للعلاج، من تأجيل الاعتراف والمصارحة.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -