أخر الأخبار

المنفيون الليبيون بين الأمس واليوم ..!!!!


المنفيون الليبيون بين الأمس واليوم ..!!!!
 بقلم:  الاستاذ عزالدين عبدالكريم 
أشار بعض الأصدقاء في صفحاتهم الى ذكرى المنفيين الليبيين الذين اقتيدوا من طرف الاستعمار الفاشيستي ، كعقاب على المواقف التي تُعد وطنية من جانبنا ، والتي كان الإيطاليون يصنفونها كتمرد من جانبهم ، وفي النفي وما صاحبه من صور غاية في الإذلال والمهانة ، كانت الرسالة الإيطالية الى البقية الباقية من أبناء شعبنا ، حتى يكون الفعل بمشاهده عِبرة ، ودروساً للجم حركات المقاومة .
جميل ومهم استدعاء التاريخ ، لتبقى الذكريات حاضرة ، لكي لا نغوص في رؤى خادعه مع تفاعلات الحاضر دون أن ننسى مد الجسور بكرامة ، لكن الأجمل وكما كنا نردد في صياغاتنا الإعلامية ، أن نستخلص الدروس ، بنظرات ثاقبة ، ورؤى عميقة ، وكم هي كانت كثيرة الدعوات التي من كثرة تكرارها ، اكتسبت خاصية التجاهل عند المتلقين .
بداية ... لنبقى مع منفيي الأمس ، إذ أذكر بأنني وجدت نفسي وزملاء آخرين ذات سنة ، أبحث عن أولئك المنفيين ، لعل خيوطاً تقودنا الى مصائرهم ، وذلك في مهمة إعلامية تلفزيونية ، بدأناها من روما العاصمة ، وانتهت بنا إلى باليرمو بالجنوب الإيطالي .... قادتنا حينها الترتيبات الى مقبرة إيطالية يمكن وصفها بالجميلة ، إذ كانت قبور الإيطاليين وما يحيط بها من ورود وزهور مع صور فوتوغرافية للمتوفيين لصيقة للقبور ، أمر يشجع على الموت حقيقة ، فالتناسق بديع و مغري مما يلغي الفكرة السوداوية عن المآل الأخير ... !!!!
لكن في ركن من المقبرة ، كانت هناك مساحة ترابية فارغة في اتساع ما يبني حجرة واسعة ، قيل لنا أن الليبيين دفنوا جميعا فيها متكومين فوق بعضهم البعض ، ولم يكن الموضوع مقنعاً لي ، فشحنات البواخر من الليبيين إلى إيطاليا وتحديداً المناطق الجنوبيه منها ، ما كان ليكفيهم هكذا حيز لو ماتوا جميعهم ، مع الأخذ بعين الاعتبار من تم رميهم في عرض البحر ...
حاولنا البحث والسؤال ، وقيل لنا أننا دخلنا في تساؤلات يراد لها أن تكون مطوية ، وعلى اعتبار أن باليرمو وصقلية كانتا مرتع المافيا منذ تشكلها وترعرعها ، خاصة وأن بعض الوجوه الإيطالية أوحت بجهامة تبعث على التوجس وشئ من الرعب ، فإننا تصنعنا عدم الاكتراث ، مع استفسارات لاحقة ، بدت بلهاء للمتلقي ، لنعطي الانطباع بعدم الرغبة في الفهم ، وهنا عرفنا بأن كثير من الليبيين انصهروا في المجتمع الإيطالي ، ومع دورات الحياة من موت من أتي منفياً وولادة جيل جديد أصبح لا يعرف غير إيطاليا ، و مع ما أصبح عليه حال البلاد ليبيا منذ فترة ما بعد الاستقلال وحتى سنوات سبتمبر بطولها ، فقد اختار أكثرهم طوي صفحة الانتساب الى أرض لم تستقرعلى حال. 
الغوص في الموضوع كان يلزمه عمل ما يعرف بالصحافة الاستقصائية ، التي يساندها عنصر الزمن اللازم ، وعامل القدرة على البقاء في إيطاليا ، مع اتباع أساليب استخباراتيه ، لكن لا أيامنا القليله سمحت بذلك ، ولا اهتمام الدولة كان يعنيه الأمر حقيقة بشكل عميق ، ولذلك اكتفيت شخصياً في مراسلاتي التلفزيونية عبر القناة الإيطالية " RAI 3 " بما يغطي المناسبة بشكل احتفائي في إحياء الذكرى .
حسناً ... هل فعلاً يؤلمنا حال من أخذتهم إيطاليا الى المنافي من الآباء والأجداد الليبيين ، منهم من قضى نحبه ومنهم من تدبر أمره ؟؟؟؟ 

أشك في ذلك أو على الأقل أعتقد بأن النظر الى أحداث التاريخ قد أصبح فقط لاستدعاء دروس " منتقاة " حسب الرغبات والأهواء ، وليس حسب ما يفرضه الراغب في الاستفادة من أجل درء مخاطر قد تتكرر ..!!!،إذ ما نعيشه اليوم يثبت بأننا لسنا بحاجة لدرء أمر هو واقعيا حاصل ومعاش ، وفي ذات السياق ، مع تنوع في التفاصيل ، فالمنفيون الليبيون منذ 2011 يملأون الأصقاع شرقاً وغرباً في بلدان الله الواسعة ، بعضهم اختار المنافي طوعاً تقديراً لمصير متوقع لا يمت للعدالة بصلة ، وبعضهم الآخر أُجبر عليها ، ولا أحد يتوقف عند هؤلاء المنفيين للتمعن !!!.

صور الرجال الليبيين الذين سجلتهم عدسات المستعمرين منذ 1911 ، وهم يلفون حبال المشانق حول رقاب الليبيين الآخرين تستوقف الكثيرين ، ليصبوا لعناتهم عليهم ، وفي صبنا اللعنات ، فقط ننطلق من عجزنا وضعفنا ، إذ نعتبرهم " الحمار القصير " الذي يسهل الركوب عليه ، لأننا ممتلئين بالجبن ونتجاهل من الذي قاد هؤلاء الليبيين لهكذا خدمة ، رغم أننا نتفق على استهجان واستنكار أدوار هؤلاء الليبيين دون شك . 

والجبن ما زال قائماً في تحديد من سبب في نفي عشرات الألآف من الليبيين اليوم ومنذ 2011 ، ونحيل الأمر بغباء شديد الى العناوين التي أريد لها أن تسود لتحليل أو تبربر الأوضاع . لكن هذه الـمرة لا نوجه الاتهام لأي ليبي ، وإن فعلنا ، نتوقف عند هذا الاكتشاف العبقري !!! ولا نتجاوزه لمعرفة "من" فعل " ماذا بمن " ...!!! نتناسى ونتجاهل حال العائلات والأطفال وما يقاسون في الغربة من شظف العيش ، واحذروا أثناء مراجعتكم أن يلامسكم شئ من انتفاخ الطغيان و تعتقدون أنكم باستفاقتكم - إن حصلت - تقدمون جميلاً لأحد ... بل كلُّ ما في الأمر تقليل عدد خطاياكم بتقليل سنين العوز ... فإن تفعلوا خيراً تفعلونه لأنفسكم وليس للمتضررين ....

بغباء فريد نحيل الأمر الى تصنيفات الملكيين والسبتمبريين والفبرايرين ، وكلها تبريرات مطلوبة وتؤدي أغراض التوهان ، في حين أن البلاهة تملأ كل هذه الأصناف مجتمعة ، فلا الملكيين عقلاء ولا السبتمبريين أوفياء ولا الفبرايريين يعلمون ما الذي يجري ، وما الذي يجرونه على البلاد من كوارث ... وكلُ فريق ينهش الفريق الآخر، على أساس أنه الأجمل والأبهى والأزهى والأعقل والأكثر وطنية ...
هل لا يريد أحد منكم أن يكون الليبي الذي يلف حبل المشنقة على رقبة الليبي الآخر ؟؟، إنكم في الحقيقة و الواقع تفعلون ، وتفعلونه بتطور الامتلاء بوهم أنكم على حق ، في حين أنكم لا تفعلون ما تفعلون إلا لإثبات الأمراض والعقد النفسية لديكم ولدينا ...
ليتنا نكف على التصنيفات القميئة ، ونعي ما يفعله البعض منا من جرائم في هذا الإطار سواء بالفعل المادي أو بالمساندة المعنوية عبر الموافقة والمباركة اللفظية ، فلا أحد منّا على حق كامل ، والحكم على أي مرحلة من مراحل التاريخ الليبي هي نسبية ، إلا فبراير ومخرجاتها فهي لحد الآن لم تلتقي مع النسبية هذه ...
أتركوا منفيي الأمس ..وفكروا في منفيي اليوم " المتشرتعين " بين البلدان ، فإيطاليا وغيرها لها مبرر الالتقاء مع مصالحها الاستعمارية ، من تغيير الديموغرافيا ، وتقليل عدد السكان ، والسعي لمكتسبات تتغير عبر الأزمان ، ولا يعنيها أو غيرها مصائر الليبيين .... لكن نحن هل سنتبنى ذات السياسة تجاه بعضنا ؟؟؟!!!!
عزالدين عبدالكريم

27 / 10 / 2018
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -