أخر الأخبار

نجيب الحصادي يكتب عن سالم العوكلي

 نجيب الحصادي يكتب عن سالم العوكلي

لعله أكثر من أثر في من الأصدقاء في ربع القرن الأخير. سالم العوكلي بكل المقاييس شخصية ثرية. في البداية بحثت عنه بسبب إعجابي بشعره ومقالاته التي كان ينشرها في صحيفة "الأفريقي"، وما أن تعرفت عليه حتى أصبح أقرب الأصدقاء إلى نفسي. أسرّ لي عارف النايض، حين التقى به أول مرة، بأن "سالم كالحليب"، ولعله أراد أنه أبيض ورائق وصحي. غير أن بساطته ووعيه وتسامحه أهم ما شدني إليه من سجايا. أذكر أن جمعا من الأصدقاء التقوا في أمسية جميلة لم يكدر صفوها سوى واحد منهم لعبت الخمر بلبّه، فطفق يتحدث بصوت عال، ويطلب من الجميع الاستماع إليه. كنا أكثر من ثلاثين، وكان يصر على منع أي أحاديث جانبية. لكن حديثه لم ينته. بدت علامات التوتر تبدو على محياي، فاقترب مني سالم وهمس في أذني "إذا كنا لا نتسامح مع الأصدقاء، فكيف سنفعل مع الغرباء والخصوم"؛ وفجأة استرحت مما كنت أحس به من كرب.
وكان سالم، صحبة أخي فهيم، أول من يطلع على ما أكتب، وكانت تعليقاتهما على ما أكتب نبراسا يضيء لي الكثير من العتمات. حكمته في معالجة ما يستجد من أزمات، وما كان أكثرها في "بيت درنة الثقافي" الذي تولى رئاسته، جعلته يحافظ على بقائه، على الرغم من أنه لم يكن يساوم على أي شيء يتعلق بالوطن، فقد كان جريئا في معارضته للنظام السابق. وأذكر أنه قال في ندوة عقدت في البيت إنه آن الآون لأن ندرك أن الخلل لا يكمن في تطبيق النظام الجماهيري بل في النظام الجماهيري نفسه. أما شعره فحسبي أن أقول عنه إنه جعلني أهوى الشعر الحديث. الحال أني انفتحت عبره على آفاق الشعر الحديث، بعد أن كنت مغرما بالشعر التقليدي.
وعلى الرغم من ألفتي به، ظل يصعب علي توقع ما يقول. دأب سالم أن يفاجئ مستمعيه، باستعداد مصاحب للدفاع عن أفكاره التي تبدو أول وهلة غريبة. ولعله أكثر مثقفينا إحساسا بأهمية الفلسفة، خصوصا في المجتمعات المتخلفة، وكنت أستغل هذا الإحساس في جعله يراجع ما أترجم من أعمال فلسفية، لموضعة الأخطاء النحوية والأسلوبية والمطبعية، مراهنا على شغفه بما يقرأ. ولا ينبو سالم عن شيء نبوّه عن التكلف، كما أن لديه حساسية مفرطة ضد الأدعياء. وكانت رسائله لي في الغربة تخفف عني بعضا من كآبتها، وأذكر أنني حين زرت مكان غربتي معه، بعد أن عدت منها، لم أستشعر الخواء الذي كان يمضّ مشاعري. وكنت أحس أن درنة ينقصها الكثير حين لا أجده فيها. في صيف 2005 أتيت إلى درنة قادما من الإمارات، فكان بيته أول بيت أزوره، فلم أجده، وبعد أن سلمت على زوجته وأبنائه، مضيت إلى أهلي. في المساء حين التقينا، أطلعني على رسالة نصية في هاتفه بعثت بها زوجته إليه تقول فيها "جاء صديقك نجيب، وحين أخبرته أنك لست هناك، طفق يشد على أيدي الأولاد وبدا كفلاح خذلته الريح يوم حصاد“.
رب أخ لم تلده أمك، قال لي فهيم عنه ذات يوم، غير أن مشاعري نحو سالم تجاوزت عندي مشاعر الأخوة، وحتى الصداقة. أحيانا أشعر أني لو لم أصادف سالم لكنت شخصية مختلفة تماما. ما كان لي لولاه أن أعنى بالشعر، وبالسياسة، وبالأدب الشعبي، وما كان لي أن أعرف أن الصداقة أهم من كل شيء.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -