أخر الأخبار

عندما أراد القذافي بناء دبي في ليبيا..فصل من كتاب ينشره موقع 218

 

عندما أراد القذافي بناء دبي في ليبيا..فصل من كتاب ينشره موقع 218


صحيفة المنظار: موقع 218


في الیوم الأول ذھبنا إلى المدينة القديمة. إنها مدينة تشعرك بالحزن كیف لبلد بهذه الثروة أن يكون هكذا؟ .. حتى دبي في الخمسینات عندما كانت الموارد محدودة والمیاه شحیحة والناس بلا  كهربا لم تكن بهذا البؤس أبدا
تواصل معي الكثیرون، واجتمعت مع الكثیرين ممن تمنوا تكرار تجربة دبي في بلدانهم. لكن أغلبهم كان حديثهم في إطار التمنیات، أو الأمنیات إن صَّح التعبیر.
هناك فرق كبیر جداً بین أن تتمنّى شیئاً وبین أن تعمل لتحقیق أمنیاتك وأحلامك. هناك مساحة شاسعة بین التمنیات وبین الواقع، مساحة تحتاج أن تملأھا بالكثیر من الإصرار والعزيمة والمتابعة، مساحة تحتاج لخطط ومال ورجال، مساحة تحتاج لعمل مستمر ..رجالاً وقادة لینهضوا يها ولیتابعوا مسیرتها ويوصلوها للعالمیة. نعطي كل يوم صلاحیات لشباب وفتیات نسعى لتمكینهم من قیادة بلدهم، والمساھمة فیه. لا نتهاون مع الفساد، لا نتهاون في سیادة القانون، لا نتهاون في تنفیذ خططنا التي أطلقناها. هكذا نبني دبي الیوم، وتجربتنا مفتوحة لأي شعب وأي حكومة لاستنساخها بالكامل.
يسألونني أحیانا: ألا تخاف من المنافسة؟ وجوابي دائماً: لو كان عالمنا العربي يضم عشر مدن مثل دبي فنحن بخیر. عندما تكون دبي في منطقة ناهضة نامیة، سیتضاعف نموها ونهضتهاا. دبي بحاجة لمدن شقیقة قوية تضع يدھا بید دبي لتحقیق معجزات عالمیة جديدة؛  هكذا ننظر للمنافسة. فإذا تحسن اقتصاد المنطقة، وارتفع دخل الفرد فيها، وزاد عدد المتعلمین والموھوبین فيها، فستكون دبي أفضل بعشرات المرات.

أذكر هذا الكلام وأنا أستذكر اتصالاً من الزعیم اللیبي الراحل معمر القذافي الذي تواصل معي ذات يوم. قال لي إنه يريد بناء دبي جديدة في لیبیا، تكون عاصمةً اقتصاديةً للقارة الأفريقیة.
بعد غزو الولايات المتحدة للعراق في العام 2003، بحثاً عن أسلحة الدمار الشامل التي ادّعت أن صدام حسین يملكھا، خرج الرئیس اللیبي معمر القذافي أمام العالم في بادرة قال فیھا إن لیبیا لديھا برنامج نووي وتطالب بإزالة جمیع المواد ومعدات البرامج التي قد تؤدي إلى تطوير الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، فاتحین مستقبلنا للازدھار العلمي والتطور التقني، مادين أيدينا كأصدقاء للزعماء الآخرين.
وكان من ضمن من مدَّ يده لھم ھو أنا، طالباً مني العون لبناء دبي جديدة في لیبیا، وذلك تأكیدا لرغبته في الانفتاح على العالم.محمد القرقاوي – مدير مكتب محمد بن راشد السابق
قمُت بإرسال محمد القرقاوي، رئیس مكتبي التنفیذي آنذاك، إلى لیبیا؛ وبعد وصوله بیومین قام رجال القذافي باصطحابه إلى مقر إقامة الرئیس اللیبي في باب العزيزية بطرابلس. وبعد انتظار، أدخلوه غرفة كبیرة وجد القذافي فیھا جالساً على مكتب يتصفح الإنترنت بطريقة تنبئ عن قلة خبرة ونوع من الاستعراض.
ابتدأ القذافي حديثه قائلاً: أنا معجب جداً بما صنعه الشیخ محمد بدبي، وأريد أن أفعل الشيء نفسه بلیبیا، وأطلب منكم الاستثمار في لیبیا، وأطلب أيضا خبرتكم في تحقیق ھذا الحلم الجديد للشعب اللیبي.
طلب تحويل طرابلس، وبالأخص مطار معیتیقة، إلى عاصمة حضارية لأفريقیا. أعطى انطباعا بأنه لم يكن عالماً بالتاريخ ولا بالأحداث، وأنه محاط بفريق يخفي عنه الحقائق إما عن خوف أو عن رغبة، وإن كنُت أرجّح الاحتمال الأول. كان حديثه طويلاً بلا معنى، قال: إنه لم يكن معجباً بأي دولة ولا بأي رئیس. كان يطرح رأيه بتعصب لا يمكنك أن تناقشه فیه. لم يكن حديثه حديث زعیم.وصلني تقرير محمد القرقاوي، وعندھا قررتُ الذھاب بنفسي. توجھت بالطائرة إلى طرابلس؛ مدينة جمیلة رابضة في قلب التاريخ. وكعادتي عندما أزور المدن أفضِّل أن أتجوّل فیھا بمفردي أو مع فريق صغیر جداً لأكتشفھا بشكل أفضل بعیدا عن الحراسات والبروتوكولات التي تخفي عنك الواقع وتجعلك بعیدا عن رؤية المدينة بلا مساحیق.
في الیوم الأول ذھبنا إلى المدينة القديمة. إنھا مدينة تشعرك بالحزن. كیف لبلد بھذه الثروة أن يكون ھكذا؟ مجاري على الطرقات، نفايات مرمیة ھنا وھناك؛ حتى دبي في الخمسینيات عندما كانت الموارد محدودة والمیاه شحیحة والناس بلا كھرباء لم تكن بھذا البؤس أبدا.
بعدھا قمت بزيارة القذافي في خیمته بمدينة سرت، وكما في المرة السابقة تولى الحديث طیلة الوقت. وفي المساء من ذلك الیوم توجهنا إلى إحدى ساحات طرابلس المكتظة بالحضور. لكن المفاجأة التي كانت تنتظرنا أن أحدھم أخبر الجماھیر بأننا ھناك، عندھا أحاطوا بالسیارة بشكل ھستیري مرحبین بعواطف حارّة جداً، وبدأت السیارة تفقد اتزانھا بفعل اندفاعھم.
وما ھي إلا لحظات حتى بدأت أشعر بارتفاع السیارة التي تقلنا عن الأرض. شعرنا بالقلق من ھذا الاندفاع حتى لو كان للترحیب أو بفعل العاطفة الجیاشة. لم أستطع الحديث معھم بفعل الأصوات العالیة، عندھا تدخل الحرس وأبعدوا الجماھیر بطريقة عنیفة. لم أكن أرغب أبدا أن يتم إبعادھم بتلك الطريقة.
بعد ذلك، أراد القذافي أن يريني منطقة الجبل الأخضر في شمال شرق طرابلس حیث توجد بعض الآثار الإغريقیة. ركبنا طائرة مع سیف الإسلام القذافي، ابن القائد، وعبد الله السنوسي الذي كان رئیس الأمن الداخلي واستخبارات الجیش وقريب القذافي أيضا، ومعروف عن السنوسي أنه كان رجلاً عنیفاً متجھم الوجه.
أقلعت الطائرة، وعندما استوت في الجو التفت السنوسي نحونا وقال بأنھا المرة الأولى التي يركب فیھا الطائرة منذ سنوات. سألته: ولماذا؟ أجاب: لطالما كنت مستھدفاً، وأخاف أن تُستھدف الطائرة التي أستقلھا. خیّم السكون علینا ونحن نفكر بتبعات كلامه، ھل أراد أن تكون أول تجربة له معنا؟
تحدّث سیف الإسلام، وبدا أنه مطَّلعاً ومتطِلّعاً أكثر من والده. تحدث قائلاً: لطالما فكرت بنوع الاقتصاد الذي انتھجه والدي، فھو لم يكن اشتراكیاً ولا شیوعیاً ولا حتى رأسمالیاً، ثم تابع: لقد تحدثت إلیه عن أھمیة أن تعود الأرض للشعب وأن ننفتح على العالم بشكل أكبر.

انتھت الزيارة وظل الشعب اللیبي في قلوبنا. تمنينا مساعدته، لكن لم تكن الأمور على ما يرام. انسحبنا من المحادثات حول المشروع الجديد بعد فترة بعدما أدركنا أننا ندور في حلقة مفرغة، وأن الأجواء ملبَّدة بغیوم الفساد، وأننا سنكون بروباغاندا في منظومته الدعائیة.
لم يكن القذافي يريد التغییر، كان يتمنى التغییر. التغییر لا يحتاج خطابات، بل إنجازات. التغییر لا يمكن أن يحدث مع حجم الفساد الذي رأيناه أثناء محادثات فريقي معھم. التغییر بحاجة لبیئة حقیقیة، الشعب وحده يستطیع التغییر للأفضل فقط، دون أن يأتي محمد بن راشد إلى لیبیا؛ فقط اصنع له البیئة المناسبة وسیبني بلدك. الشعب اللیبي يضم علماء ومواھب ورجال أعمال وبناةً وباحثین وأطباء ومھندسین؛ ھم فقط يحتاجون للبیئة المواتیة لإطلاق إمكانیاتھم وإحداث التغییر الإيجابي.
ضربت مثالاً لأحد القادة في إحدى المرات عن دور الحكومات. سألته: ما دور شرطي المرور الواقف في منتصف تقاطع مزدحم؟ أجابني: تسھیل حركة السیارات القادمة من كافة الاتجاھات والتأكد من عدم وقوع حوادث.
قلت له: ما رأيك إذا منع حركة الناس في جمیع الاتجاھات إلا لأصدقائه وأقربائه فقط؟ قال لي: ھو فاشل وفاسد، ولا يؤدي دوره.
قلت له: الحكومات ھي شرطي المرور، ودورھا تسھیل حركة الحیاة أمام الناس المندفعین لبناء مستقبلھم وأوطانھم.
وللأسف ابتلیت منطقتنا بالكثیر من شرطة المرور الفاشلین.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -