أخر الأخبار

قراءة نقدية في رواية حرب الغزالة لعائشة إبراهيم


قراءة نقدية في رواية حرب الغزالة لعائشة إبراهيم

بقلم :عبد الحكيم المالكي

1.1 مدخل


حرب الغزالة هي الرواية الثانية للروائية والقاصة الليبية ا. عائشة إبراهيم، التي كانت قد اشتغلت في روايتها الأولى (قصيل) على البعد الواقعي وسرد أحداث في الزمن القريب في منطقة بني وليد بالشمال الغربي الليبي، وكانت الرواية سجلا مميزا للعادات والثقافة المحلية زمن السبعينيات، واستطاعت الكاتبة في تلك الرواية أن تحافظ على جمال السرد وعدم الوقوع في المباشرة، رغم حجم الحشد الكبير من المصطلحات والتصرفات والعادات الاجتماعية الموغلة في خصوصيتها، بينما نجد حرب الغزالة حكاية مختلفة بالكامل.
حرب الغزالة رواية تُعلِّمنا كيف يمكن أن يستفيد الكاتب من التاريخ ومن المجتمع ومن ثراء مخزونه اللفظي الواصف ليشكل مجتمعا مميزا، ها المجتمع النصي هو لإنسان الموهيجاج في الجنوب الغربي الليبي، حيث الأكاكوس الذي حولته الروائية من خلال شخوصها إلى كائنا حيا يتنفس.
وإذا كانت في قصيل استقت مادة مرئياتها وموصوفاتها من عالم واقعي عاشته يوما ما، فإنها هنا مع تجربة مختلفة، حيث لا توجد سوى معلومات تاريخية بسيطة عن الحادثة والباقي على الكاتبة أن تتخيله. وفد نجت وتخيلت وكتبت.


2.1 حكاية الرواية


تحكي رواية حرب الغزالة قصة تأسيسية لتاريخ ليبيا، قصة شعب الموهيجاج الذين يعدون من أوائل الشعوب المتحضرة زمن الاستقرار والتحول للرعي بدل مرحلة الصيد السابقة. هذه الرواية تمثل الرواية الواقعية المؤلمة من جهة ومن جهة أخرى هي راوية الفنتازيا (وهو موضوع سنفصل فيه بعد حكاية الرواية) رواية فيها حضور كبير لما يكن أن نسميه التطور الدرامي لأحداثها وقدرة الراوي على إبراز أعماق شخصياته الطامعة والحاسدة والمحبة والكارهة، إنها شخصيات متعددة تجلي أحداث الرواية -ونسق السرد الذي يقوده راو متلاعب- أبعاد أعماقها وخلفيات دوافعها العظيمة أو التعيسة.
تبدأ الحكاية من خلال قصة شخصية ميكارت التي كانت الشخصية المحورية كما تبرز في الفصل الأول أيضا شخصية الملكة تندروس. هذه الشخصية المحورية كانت أداة الروائية لإظهار تلك الدوافع العميقة من الرغبة في السيطرة والامتلاك وتلك المشاعر الخفية التي تعبر عن حقيقة كينونة هذا الإنسان، كما تعبر من جهة أخرى عن حجم من الجمال والروعة الذين كانا ديدن الروائية وراويها وهي تنشئ عالمها الروائي البديع منذ سطور الرواية الأولى. الأحداث حصلت زمن الملكة تندروس التي وصلت للحكم بعد أخيها الضعيف الذي قتل في ظروف غامضة. تندروس قادت شعب الموهيجاج للوصول إلى الرقي والاستقرار وبناء الدُور وتنظيم الجيوش والزراعة والسيطرة على منطقة الأكاكوس برمتها. 
تنتظم علاقات الشخصيات ضمن نسق مميز من الصداقة أو التباغض. حصل التوتر عند ظهور شخصية هيريديس شبه الأسطورية، تلك الفيسلوفة الصغيرة الحكيمة حائكة الثياب البارعة التي تمكنت من حياكة ذلك الثوب المميز الذي فاز في مسابقة صناعة الثوب للملكة، وهي المقاتلة الباهرة التي تغلبت في قتال شرس على هيرماس رئيس الحرس الضخم ، وهي الشخصية التي جعلت منها الملكة صاحبة أول محل حياكة في التاريخ، ووضعت تحت تصرفها مجموعة من المساعدات والخادمات، ثم في زمن أخر أصبحت عدوتها الأكبر. في مقابل هذه الشخصية المميزة سنجد ميكارت العازف ومربي الغزالة شبه الأسطورية سافي، وصديق كافة الحيوانات من خلال رشاقته الجسدية وعزف نايه المميز وقد أغرم بهيريديس.
أعداء المملكة الفتية مختلفون، منهم الوطاويط الطائرة التي تهاجم الخنازير والأبقار، والجراد الذي يلتهم محاصيلهم ومنهم أيضا أعداء من الشعوب الأخرى، خاصة شعب الماغيو بقائده بيشون.
تتم أسطرة الغزالة وأسطرة حياكة هيريديس وأسطرة رسوم ميهلا وأسطرة قدرات ميكارت. 
جماعة بيشون يخطفون الغزالة سافي ويتركون ما يدل عليهم، كما تدخل قبائل الباسيل الجائعة أرض الملكة تندروس وتحدث مناوشات بينهم تنتهي بإرغامهم على دفع ضريبة شهرية.
الجراد أيضا يهاجم المملكة الفتية والتجار القادمين بالمحاصيل والبذور يغيبون وتصبح هناك مشاكل في المؤن تحلها الملكة تندروس بحكمتها.
تقرر الملكة تندروس إرسال الجيوش وتطلب من هيريديس المشاركة مع الجيش وذلك لما أظهرته من حنكة قتالية وهي تصارع هيرماس.
في المعركة مع قبائل الماغيو المخادعة كانت هيريدس الأكثر فطنة، وهي من دل قادة الجيش على حيلة العدو، وكانت توقعاتها حول التفافهم ومخاتلتهم في محلها، وصارت بذلك البطلة المنقذة التي عادت بالنصر فأصبحت بطلة أسطورية لذلك الشعب. الملكة تندروس أصابتها الغيرة من وضع هيريديس الجديد حيث صار الناس يظهرون تبجيلهم وتقديسهم لها، فحاربتها بالشائعات التي تحكي عن نحسها.
بعد زمن قررت الملكة تندروس أن تتواصل مع الملوك الآخرين لعلها تجد علاقات طيبة تحقق تعاونا مميزا مع باقي الممالك. 
ميلائيل مستشارها لم يكن مناسبا لحوارها فقررت أن تستدعي الكاهن ميسار ليقنع الناس بأهمية الفكرة. ميكارت طلب أن يكون مندوب الملكة لإيصال رسالتها إلى أرض الماغيو لعله يفوز باستعادة غزالته الأثيرة سافي الحبيسة هناك .
بعد رحلة طويلة مشوبة بمخاطر عديدة يصل إلى أرض المملكة المعادية، حيث يلتقي الملك كاشيون وحاشيته ويرى أيجا زوجته. تلتهب مشاعر أيجا تجاهه ولا تتوقف إلا وقد اجتازت كل الحواجز معه وقد أصبحت لا تفكر إلا في الهرب من مملكة قتلت أبيها وهي طفلة العاشرة. كما تخفي الغزالة وتهرب مع ميكارت خارج القصر، وبعد أن يفلتا من رجال الماغيو يتعرض ميكارت للدغة خطيرة تفقده الوعي فتضحي ايجا بالغزالة؛ تشق بطنها وتضع فيها رجل ميكارت المسموم، فيسحب جسم الغزالة الفتي الساخن السم وتموت الغزالة. 
بينما في الجهة الأخرى في ارض الموهيجاج تحيك الملكة تندروس حبائلها الشريرة للتخلص من هيريديس الحكيمة والمقدسة عند شعب الموهيجاج.
كان دور ميلائيل في البداية تشويهها عن طريق إشاعة كونها منحوسة، لكن هذا لم يشفي غليل الملكة الحاقدة، فطلبت هيرماس خادمها في جانب السوء. هيرماس يضع السم لهيريديس في يوم حفل الاقتران، لكن الذي مات هو واسين حفيد ميهلا الذي تناول العصير المسموم في حفلة الاقتران .
يستخرج ميهلا من مخزنه أدوات التحنيط ويقوم بتحنيط الطفل ويضعه في جراب ويدفنه، طفل الموهيجاج هذا يمثل بهذا الشكل الرسالة المهمة التي حاول ميهلا إرسالها بأسلوب أكثر صدقا وتعبيرا من الرسومات القديمة، تودع هيريديس ميهلا وتتوجه إلى مملكة كيمت بعد أن صارت هنا في مملكة الموهيجاج مهددة بالموت من الملكة تندروس وحاشيتها، خاصة مع تخلف ميكارت عن موعده وتأخره. نتابع ميكارت العائد حزينا مشتت المشاعر بعد موت غزالته سافي ومعه (الذئبة) أيجا كما يراها.

1.2 ملامح التقنيات السردية والخطابية وبناء الشخصيات في فصل الراوية الأول

سنقوم هنا بمحاولة توضيح بعض التقنيات السردية والاشتغالات الخطابية المميزة في الفصل الأول. سنتابع ذلك في قسمين للحكاية يتكون منهما الفصل الأول وهما: 
1) حالة الاستنفار في المملكة لغرض مقاومة الوطاويط المهاجمة.
2) حفل الملكة السنوي بعيد الربيع.
سنتابع هذين الحدثين الهامين وكيف استفاد منهما الراوي في بناء بداية روايته وذلك لكون بداية الرواية تمثل منطقة مهمة في تأسيس الرواية؛ ذلك أن الراوي عادة يشكل فيها عقد العلاقة بينه وبين المروي له، ويحاول أن يقدم ضمنها مادة روايته تقديما أوليا جيدا؛ يشد القارئ، ويؤسس لمستقبل ما سيكتبه في فصولها التالية، لهذا سندرس هنا تلك التقنيات السردية ونؤشر لبعض تلك الأساليب اللغوية المميزة التي استخدمت لبناء هذه الرواية.

2.2 التقنيات السردية والخطابية وأساليب بناء الشخصيات في حدث الهجوم:

يبدأ الراوي في رواية حرب الغزالة من (ميكارت) الشخصية المركزية التي ستؤطر السرد في هذا الفصل الأول، ليضعنا بذلك في خضم أحداث مهمة عاشتها وتعيشها مملكة (وان موهيجاج) زمن الملكة تندروس. هذا الراوي يمضي بحنكة عالية منتقلا من تقنية سردية لأخرى ومن أسلوب بلاغي أو حجاجي لأخر وهو يقدم أحداث هذه الرواية المميزة الشائقة، راصدا ضمن سرده ذلك: تفاعلات إنسان ذلك المكان والزمان وهو يعيش لحظات استقراره وتحوله من صيّاد يعبد القمر ويحب الليل ويعيش في الكهوف إلى كائن متحضر يمارس الرعي والزراعة.
الزمن الروائي كان يمضي بوتيرة متتالية حيث كانت الأحداث تسير (غالبا) متتالية مع العودة من الحين للأخر للماضي لتوضيح حدث ما، أو تغطية خلفية شخصية من الشخصيات.
النسق الدرامي للرواية كان مميزا ومتصاعدا منذ البداية كما تمّ المحافظة على حسن إبراز الصورة السردية من خلال عديد التقنيات السردية التي تمّ توظيفها كذلك من خلال الأساليب اللغوية المميزة.
الفصل الأول يتم فيه رسم صورة مملكة وان موهيجاج بين هجوم الوطاويط وحفلاتها الصاخبة. مملكة تندروس مستقرة هانئة لا يقض مضجعها إلا هجوم الوطاويط عليها، الجميع يتعاونون في صد ذلك الهجوم والجميع يشتركون في حفلة أول أيام الربيع ويمارسون طقوس ذلك الاحتفال الذي نتابع فيه ثراء ذلك المجتمع المتحضر.


1.2.2. الترهين والتأطير مع الوصف المنظم منذ سطر الرواية الأول:

بدأ الراوي في تقديم الأحداث من خلال تقنية الترهين مرتبطا مع التأطير مع تنظيم الوصف الذي سيظل أسلوبه الأثير لرصد ثراء وتنوع أدوات وأشياء إنسان حكايتنا. لنتابع السطور الأولى في الرواية
"(أ) بينما كان ميكارت يهمّ بمغادرة الحظيرة (ب) التي تأوي فصيلة نادرة من الغزلان الشقراء والذهبية والبيضاء، والعسلية ذات البقع الحمراء، والرمادية المرقطة بلون الحليب،(ت) حلّقت سحابة من (ث) الوطاويط السوداء العملاقة على امتداد الأفق المائل إلى الغرب قليلا، (ج) صفقت بأجنحتها العارية وأطلقت صرخات حادة موحشة ومستفزة، (ح) صكت سمع الرعاة، وأجفلت حيوانات الحظائر فصهلت الخيول، وخارت الأبقار والجواميس، ونبحت الكلاب، واختلطت أصوات أخرى في حظائر الغزلان والماعز والخراف، وداخل أقفاص الطيور والدجاج والبط والأرانب.." [1]
يبدأ السرد كما أسلفنا من خلال الترهين حيث يربط الراوي بين حدثين أولهما في (أ) وهو ميكارت يهم بالمغادرة والثاني في (ت) وهو تحليق الوطاويط، وبينهما يقوم في (ب) بوصف مكونات الحظيرة وصفا متقنا مع حضور التأطير الكامل من خلال ذكر عناصر الحكاية الأربعة: الحدث والشخصية/ الفاعل والمكان والزمان، ولعله من تقنيات السرد الخفية التي لا تظهر بسهولة إلا لمن أمعن النظر والتنقيب جيدا في النص: ذلك التباين بين صورة الغزلان (الشقراء والذهبية والبيضاء) في حظيرة مغلقة وبين الوطاويط السوداء في الأفق المائل...
يمضي الراوي في وضع المروي له في صلب الحدث وهو يقدم صورة حواسية مميزة على مستوى البعد السمعي نلحظها في الجزء (ج) و(ح) من المقطع السابق.
في (ج) نتابع فعل الأذى السمعي الذي حققه فعل الوطاويط المصفقة والصارخة ثم في (ح) نتابع أثر ذلك الفعل على الرعاة الذين صك الصوت سمعهم. وانهيار الحيوانات وهي تقوم برد فعل صوتي (صهيل وخوار ونباح) يختلط مع أصوات أخرى قادمة من باقي الحضائر كما نلحظ أيضا تنوع تلك الأشياء التي تمّ ذكرها وتنظيم إيرادها في صورة مجموعات مختلفة (الحيوانات الكبيرة (خيول، بقر...)، ثم الأصغر منها (غزلان، ماعز، ...) في حضائرها ثم الطيور والدجاج والبط في أقفاصها وأقنانها. 


2.2.2 توظيف تقنية التواتر الزمني نهجا للسرد منذ الصفحة الأولى

يمضي الراوي المتلاعب بالسرد وهو ينجز خطابه السردي ثريا ومميزا من خلال المزيد من التقنيات السردية التي تكاد لا تغيب، لنتابع المقطع الثاني حيث يتم البدء من خلال السرد التواتري المؤكد من خلال أسلوب نفي أن تكون هذه المرة الأولى:
"إنها ليست المرة الأولى التي تهاجم فيها الوطاويط العملاقة ماشية مملكة )وان موهيجاج)"[2]
ثم يعود ليستخدم أسلوب سأجازف بتسميته الانصراف السردي عبر التحول عن المسرود الأساسي إلى مسرود أخر لتتم فيما بعد العودة إلى المسرود الأول.
"التي قامت على سهل )تشوينت ( والأراضي الممتدة بين غابات فزان الكبرى شمالاً، وجبل الأكاكوس بأقصى جنوب غرب ليبيا إبان حكم الملكة تندروس."
الراوي في المقطع السابق أطر للحدث الذي يحصل، فالمملكة تقوم على سهل تشوينت ... والزمن أبان حكم الملك تندروس.

3.2.2 سرد التحولات وتقنية الانصراف السردي 

لعله من أهم مميزات الرواية الحديثة قدرتها على رصد التحولات سواء تلك الكبرى أو على المستوى الإنساني داخليا أو خارجيا، أيضا هذه التقنية نجدها مستخدمة بعد التأطير لنكون في وعي بالطبيعة المتحولة الجديدة لهذا الإنسان في ذلك الزمان والمكان وننبه هنا أن هذا سرد التحولات التي عاشتها تلك الأمم يتم ضمن إطار أسلوب الانصراف السردي سابق الذكر حيث ينصرف الراوي في هذا المقطع عن مصارعة أهل المملكة تلك الليلة للوطاويط، إلى سرد التحولات التي يعيشها الإنسان .
"(أ) كان ذلك في العصر الهولوسيني المبكر، الذي أعقب عصر الجليد .ذلك العصر من التاريخ الذي ترفّع فيه شعب الموهيجاج عن (ب) التقاط الثمار الساقطة من الأشجار، وزهد حياة مصارعة الحيوانات ومطاردتها في الجبال والأدغال،(ت) واختار لنفسه حياة المدنية المتطورة ، (ث) فزرع الأشجار ونسّق الحدائق والأزهار، ودجّن الماشية، ووضع الشرائع والقوانين، ثم تفرغ للموسيقى والفن وتصفيف الشعر والأزياء، وعبادة الطواطم المقدسة. 
في (أ) نتابع خبر التحول وزمنه والشخصيات، ثم في (ب) نتابع الوضع السابق الذي يتم رسمه من خلال توضيح الترفع الجديد عنه متمثلا في حياة الإنسان القديم الصياد ملتقط الثمار، ثم في 
(ت) نحن مع التحول للمدنية المتطورة بفهم ذلك الزمن. تفاصيل تلك المدنية تأتي في (ث) من خلال نفس أسلوب الراوي الأثير لديه في تنظيم الأشياء التي يتحدث عنها وربطها معا لتكون أكثر قدرة على التدليل. 
فزرع الأشجار 
نسّق الحدائق والأزهار
دجّن الماشية
وضع الشرائع والقوانين.

العودة للقصة الأساسية

تتم العودة للقصة الأساسية عن صراع تلك الليلة مع الوطاويط من خلال الاستدراك (ب: لكن) ثم التواتر في السرد من خلال ظل التي توحي باستمرار حدث ما.
" (أ) لكن جيوش الوطاويط التي انحدرت من سلالة آخر الديناصورات الطائرة، (ب) ظلت تقض مضجعه. (ت) تنهش بأنيابها الحادة لحوم ماشيته، فتفتك بالصغيرة منها، وتصيب الكبيرة بالأوبئة والأمراض."[3]
نلحظ العودة لموضوع الصراع مع الوطاويط في (أ) ثم في (ب) تواتر المعاناة من تلك الوطاويط، ثم في (ت) تفاصيل فعلها التي تبدو ذات بعد بصري ولمسي من خلال النهش الذي هو فعل منظور وفي الوقت نفسه (يكاد يكون محسوسا).

4.2.2 وعي ميكارت العميق مع تقنيات التأطير السردي عند العودة لموضوع السرد الأساسي:

يعود الراوي في المقطع التالي لموضوع السرد الأساسي وهو صراع تلك الليلة مع الوطاويط، حيث يبدأ بالتعيين الزمني من خلال (في تلك الليلة) ثم يضعنا في سرد تصويري سينمائي لأحداث الصراع تلك مع صيغة تواتر هجوم تلك الوطاويط في (ب) ثم في (ت) يبدأ ظهور ملامح رؤية ميكارت من خلال صياغة بعض الكلمات التي تدل على عدم الحيادية في السرد وهي تعبر عن حالة اندماج الراوي مع وعي (ميكارت المنفعل مع الحدث).
"(أ) في تلك الليلة أطلق الحراس نداء النفير عبر الأبواق العالية ولوحوا بمشاعل النار من فوق أسطح البيوت لتنبيه الرعاة والفلاحين القاطنين في أماكن بعيدة. (ب) لكن الوطاويط ظلت تحوم فوق المزارع القريبة متأهبة للهجوم، ثم مالت واتجهت في طيرانها نحو حظائر ماشية الملكة، (ت) لتنقض بشراسة على الغزلان التي كانت تجتر آخر لقيماتها قبيل الإغفاء، نهضت فزعة من مرابضها، تقافزت بين قضبان السياج، تحاول الفرار من الأنياب المسلطة عليها من السماء،"[4]
وبعد أن كنّا مع وعي ميكارت ونحن نتلقى الحدث السابق، سنجد في المقطع التالي ظهور ميكارت مباشرة وقد أصبح هو ذاته مادة للسرد/ التبئير.
لنلاحظ ذلك الأسلوب السردي المميز الذي نجد الراوي يستخدمه في المقطع التالي وهو يضعنا مع ميكارت من خلال ما يمكن أن نسميه المزامنة أو تزامن فعلين في حدث واحد عبر جملة: (في تلك الأثناء). يصور الراوي في (أ) ما يقوم به ميكارت من مقاومة للوطاويط المهاجمة ولنلاحظ تفاعل الراوي معه وهو يصور النار في ألياف القنب: (فاشتعلت ذؤاباتها بهسيس متوعد.)، ثم في (ب) نتابع كيف يحوم الراوي (وهو يسرد) حول وعي ميكارت وما يبدو له من أشياء، ثم في (ت) نتابع ما تعلمه ميكارت من الحياة والقيم التي استخلصها، ثم في (ث) نحن مع ما تيقن منه بخصوص انقراض الوطاويط، ليتركه الراوي ويصور ما يفعله خارجيا في (ج).
" (أ) في تلك الأثناء سارع ميكارت بربط ألياف القنب الجافة على طرف الهراوة الطويلة، وألقمها بجذوة من حفرة النار فاشتعلت ذؤاباتها بهسيس متوعد. (ب) لم يعد يذكر كم المرات التي هاجمتهم فيها الوطاويط.. لكنها، وفي كل مرة تشن هجومها، تبدو له أكثر شراسة عن سابقتها.. (ت) علمته الحياة أن من يقاتل باندفاع وتهور يشعر في الغالب باليأس، كانت أعداد الوطاويط تتناقص في كل مرة، (ث) فأيقن أنها على وشك الانقراض. ولولا أنه ليس للجوع ذاكرة، لما كانت تعاود انتحارها فوق اللهب والرماح.. قال في نفسه، (ج) وأندفع مع الرعاة يحملون مشاعل النار والهراوات والسلاسل والحبال ذات العقد الكبيرة التي يلوحون بها إلى أعلى في حلقات دائرية، تقتنص الطيور النهمة، وتلقي بها كالثمار الفاسدة على الأرض، وتمتزج رائحة القنب الزنخة مع احتراق أجنحتها فتزكمان الهواء بالنتانة"[5]
المقطع السابق يحضر فيه وعي ميكارت الكاره لم تقوم به الوطاويط ويعبر عن ذلك بشكل غير مباشر من خلال صورة ذات بعد حواسي بغيض وهي رائحة القنب المحترق مع أجنحة الوطاويط.

5.2.2 بناء الشخصيات والفواعل

في بداية الرواية نجد بعض ملامح تقنية بناء الشخصيات ومنها ما يلي:

أولا. ميكارت والغزالة والعلاقة الخاصة

يضعنا الراوي في المقطع التالي في (أ) مع ما يراه ميكارت بعينيه بخصوص الغزالة المتوترة مصبوغة القرنين بالدم، ويقوم بالتعريف بالغزالة في (ب) وما سيحصل لها، ثم يضعنا نجدنا في (ت) مع تلك العلاقة الخاصة بين ميكارت وغزالته المميزة. 
" (أ) وحين التفت شاهد الغزالة )سافي( بالقرب منه تنقر بقرنيها الذهبيين الكتل اللحمية الطائرة حتى تصبّغ القرنين بلون الدم.
(ب) تلك الغزالة - التي دخلت تاريخ الموهيجاج في وقت لاحق حين سُرقت من حظيرتها واندلعت بسببها -حرب الجبل الثانية تعني الكثير إلى ميكارت. (ت) قفز نحوها وربّت بكفه اليمنى على خدها الأيسر فطبعت ما يشبه القبلة في باطن كفه."[6]

ثانيا. تصوير القصر و التعريف بشخصية الملكة تندروس

نتابع في المقطع التالي دخول صورة القصر وكذلك بعضا ما يخص الملكة، ذلك عبر الحدث الذي ألقى ظلاله وحضور دائم لتقنية التأطير وهو هنا (أستعاري)، حيث جسد الراوي أثر الأحداث تلك الليلة على القصر الملكي ودخل من هذه الزاوية ليرسم القصر الملكي أولا، ثم يضع بعض ملامح الملكة :
"(أ) كانت ليلة عصيبة مشحونة بالتوتر ألقت بظلالها على ردهات القصر الملكي، (ب) القصر المشيد من الطين والحجر والمسقوف بخشب الحور، ولا ينضوي على شيء من سمات الجمال إلا ذلك البرج الاسطواني الذي يستخدمه الحراس للمراقبة. (ت) انتاب الملكة شعور الانقباض واستدعت رئيس الحرس، هيرماس الذي عينته للإشراف على سلامة (ث) القصر والملاحق التابعة له من بيوت الحاشية، والنزل الخاص بالرعاة والخدم والخياطين ومصففي الشعر والطباخين. 
نلحظ الأساليب اللغوية المميزة ذات البعد الحجاجي من الراوي للمروي له التي تستخدم لتصوير القصر الخالي من الجمال تقريبا في (ب) من خلال ( لا ينضوي ...إلا...) كما نلحظ حضور مكونات جمهور العاملين في المملكة : الحاشية، الرعاة، الخدم، الخياطين، صففي الشعر، الطباخين)، إنه ما يمكن أن نسميه اكتناز السرد بكثافة حضور المكونات المختلفة.

ثالثا. التعريف المباشر بهيرماس عبر الأسلوب الحجاجي:

يتم هنا التعريف بشخصية مهمة من شخصيات الرواية : رئيس الحرس هيرماس، وينتظم ذلك كما يلي: في (أ) وصفه خارجيا، ثم عرض رؤية الملكة تندروس بخصوصه في (ب) مع توظيف أساليب حجاجية، لطرح رؤية الملكة والبدء ب(لكن) الاستدراكية، ثم سرد ثبوت صحة رؤية الملكة في قوته وقدرته على العمل لصالحها.
(أ) هيرماس، الخمسيني الضخم ذو الحاجبين الكثيفين والشعر الكث الطويل، تشي ملامحه بجلافة المحاربين الغلاظ الشداد،) ب) لكن الملكة تندروس التي اعتلت العرش منذ عامين ونيف، رأت غير ذلك حين أولته مسؤولية قصرها والملاحق التابعة له، (ت) فاستطاع أن يبث الرعب في نفوس الحرس والخدم والرعاة، (ث) غير أنه لا يعلم حتى الآن كيف يرهب أسراب الوطاويط التي تعاود الهجوم في كل مرة. 
ثم نجد سرد ما قام به من أفعال هو ومعاونيه وكلها أفعال تقص الحكاية وفي الآن ذاته توضح مدى التقدم الذي وصلت له تلك لمملكة في ذلك الزمن، كما نلحظ الصورة السينمائية التي يتم فيها سرد أفعال هيرماس في (أ) والانتقال منه للأطباء وما عملوه في (ب) كما يمكن أن نلحظ كيف يتم استخدام الأساليب السردية المميزة كالترهين في (ت) حيث ارتبط زيادة توتر الغزلان بحقنها بالإبر المسكنة. 
" (أ) هرع مع معاونيه لتفقد الحظيرة المنكوبة، واستدعى الأطباء والمسعفين، وعددا من الخدم (ب) الذين قاموا بجمع الوطاويط النافقة في عربة كبيرة تجرها العجول، وأخذوها ليضرموا فيها النيران في وادٍ بعيد.. كما فحص الأطباء الغزلان المصابة و ضمدوا جراحها بلبخات الأعشاب، إلا أنها لم تستطع النوم بسبب حالة الذعر التي ألمّت بها أو ربما بسبب الروائح الكريهة التي علقت بالمكان، (ت) وحين ازداد توترها واهتاجت حركتها وأخذت تحك رؤوسها المتصدعة على خشب السياج، قاموا بحقنها بإكسير عشبة الخشخاش، فأغمضت عينيها واستسلمت للرقاد."[7]

3.2 التقنيات السردية والخطابية وأساليب بناء بعض الشخصيات الرئيسية في حدث الحفل

تعد هذه الرواية من الروايات النابضة بالحياة بسبب أن السرد يتم من خلال استخدام ما يمكن استخدامه من تقنيات السرد ولعل من أهمها ما سنرى في حدث احتفال المملكة بعيد الربيع.

1.3.2. الاشتغال على الحواس لرسم صورة حفل المملكة:

نجد هنا نموذجا لاشتغال مميز على الحواس في هذا المقطع التالي وقد انتقل الراوي من سرد قصة الهجوم إلى سرد طبعة الحفل السنوي الذي يقام صباح اليوم التالي لليلة هجوم الوطاويط:

"(أ) لكن المملكة الضاجة بالموسيقى والغناء (ب) والضوء (ت) وروائح المأكولات الشهية (ث) وأصوات مقصات الحلاقين والخياطين، ومطاحن الحبوب والتوابل، (ج) لم تنم ليلتها، فيوم غدٍ هو أول أيام الربيع، حيث تحتفل وان موهيجاج بعيد الشمس"[8]
يبدأ المقطع السابق بالاستدراك ب(لكن) التي تؤشر لأنه سيتم قول مختلف غير السابق، فما جعل الملكة لا تنام هو الاستعداد للاحتفال في الصباح وليست الوطاويط المهاجمة، كما نلحظ في المقطع السابق تداخل صور تشتغل على ثلاث حواس: في (أ) الحاسة السمعية التي من خلال أصوات تضج بها المملكة، ثم البصرية في (الضوء) ثم الشمية في صورة الروائح، ثم نعود من جديد إلى السمعي من خلال أعمال تدل على التحضر أو المدنية: مقصات الحلاقين والطواحين. 

2.3.2 تطبيق تقنيات الرؤية في مرحلة الحفل 

الراوي المميز لا ينفك ينتقل من تقنية سردية لأخرى، ونجده في المقطع التالي يعود إلى ميكارت الذي سيكون (في هذا الجزء الأول من مقاطع الرواية) أداة مميزة للراوي؛ يستعير وعيها بشكل ظاهر أو غير ظاهر –أحيانا - وهو يحوم قريبا من هذا الوعي، ولنتذكر أن هذه التقنية لا يتقنها إلا قلة من الروائيين الكبار.

أولا. البدء بميكارت وتصويره خارجيا وداخليا:

ونلحظ أن حركة ميكارت وتصويره خارجيا وداخليا هي أداة لرسمه شخصيا من جهة، ومن جهة أخرى أداة لتصوير المملكة.
"(أ) تمطى ميكارت في سريره الخشبي بالغرفة الثامنة (ب) في النزل الذي خصصته الملكة للرعاة والطباخين ومصففي الشعر والخياطين.. (ت) كان يشعر بالدوار وبالتصلب في عظامه، (ث) وفي كل مرة تهاجم الوطاويط قطيع الغزلان الملكية التي يتولى رعايتها، يعقد العزم على أن يطلب من الملكة إعفاءه من هذه الوظيفة، (ج) لكنه، وحين يستيقظ صباحاً، ويتسلل إلى أذنيه رنيم غزالته الفتية سافي تتحفز لترتع برفقته، حتى يثب من سريره طارداً كل وهن الأمس، (ح) مستقبلا دفق الشباب الساري في عروقه، (خ) فينطلق من جديد مع قطيعه، قاطعاً الممرات والمسالك،(د) في اتجاه الشمال عبر وادي تشوينت، حيث ينبسط السهل الواسع الغني بالغطاء النباتي، والممتد حتى تخوم غابات فزان الكبرى.
في (أ) يصور الراوي ميكارت خارجيا وما يقوم به من أفعال في الصباح عند قيامه من النوم، كما حدد موقعه (في السرير: بالغرفة الثامنة) ولنتذكر ما في الثامنة من إيحاء زمني (غير مؤكد) كالثامنة صباحا مثلا. ثم ينصرف هذا الراوي المميز في (ب) عن ميكارت ليسرد جزءا من حكاية هذا النزل ولمن تمّ تخصيصه، وهو موضوع تواتر ذِكره ليؤشر (فيما يبدو) على قوة تلك الملكة التي خصصت للمحيطين بها مساكنهم. في (ت) يدخل الراوي ويرصد مشاعر ميكارت الجسدية وإحساسه بالتعب والإرهاق، ثم في (ث) يدخل لأبعاد أكثر عمقا في شخصية ميكارت حيث يرصد ما يفكر فيه في أعماقه وما يريد فعله، وها العزم وهذه النية في الترك ترتبط بحدث هجوم الوطاويط الكريه من خلال تقنية الترهين (وفي كل مرة تهاجم... يعقد العزم على طلب الإعفاء).
الراوي الذي يريد أن يوضح لنا طبيعة ميكارت بشكل أكثر بروزا، يستدرك في (ج) موضحا من خلال حاسة السمع أو تصوير ميكارت خارجيا وهو يسمع غزالته الأثيرة سافي فيصور خارجيا صورته طاردا كل الوهن. ولا يكتفي هذا الراوي بهذا التصوير لشخصية ميكارت لكنه في (ح) يقوم بالدخول لعمق ما فيه (جسديا): عروقه ودمه فيسرد لنا صورة دفق الشباب فيها، يصور الراوي ميكارت خارجيا في (خ) وهو يتجه لرعي قطعانه، ثم في (د) نتابع انتقال الراوي ليصور الفضاء المكاني للرعي وللملكة ذاتها وهو ما يجعل سرده أكثر مصداقية وحضورا لدى متلقيه.

ثانيا. متابعة ميكارت للحفل عبر حاسة السمع:

يبدأ الراوي في المقطع التالي من خلال حاسة السمع فيجعلها مدخلا يتم عبره تقديم الصورة السردية، ويمارس تقنية الانصراف السردي عن التقنية الأساس في (ب)، من خلال تصوير الملكة وضيوفها وقبائلهم التي يمثلونها، ثم يعود من جديد للصورة على مستوى حاسة السمع في (ت) من خلال الموسيقى والأغاني المعبرة عن القيم الخاصة بالمملكة. 
" (أ) ازداد ضجيج الاحتفال صخباً في الخارج، واهتزت الأرض تحت وقع أقدام المحاربين (ب) وهم يستعرضون قوتهم وسلاحهم أمام المنصة الحجرية حيث جلست الملكة وحاشيتها وضيوفها الذين جاؤوا من واحة سيرداليس، وتنزوفت وبلاد أغرام وتاسيلي ومتخندوش، (ت) وكانت الجوقة الموسيقية تعزف أنغامها على القياثر الهلالية العملاقة وتصدح بأناشيد الحرب المحفزة لسحق الأعداء والطامعين."[9]

ثالثا. ميكارت الرائي بشكل مباشر 

في المقطع التالي نتابع قيام ميكارت من النوم وبذلك نحن أصبحنا معه بشكل مباشر، سيمارس الراوي الفنان نفس اللعبة السردية السابقة وهو يناوش وعيه ويرسمه أمامنا:
" (أ) وقف منتصبا نافضاً عن جسده بقايا كدر الليلة الماضية، (ب) وسار في اتجاه النافذة، شد طرف الستارة (ت) ليشهد من خلف الزجاج فتيات سيرداليس السمراوات الفاتنات بعيونهن الناعسة وجدائل شعرهن المفتولة بالأزهار، (ث) وأن يميز تجار العاج القادمين من وادي متخندوش بتسريحات شعرهم المنتصبة إلى أعلى كعرف الديك، وملابسهم المشغولة بقطع العاج والياقوت، (ج) كما اصطفت على منصة مرتفعة قليلا سيدات في منتصف العمر تبدو عليهن علامات الصرامة يعتمرن قبعات من ريش الطاووس الأزرق، كانت الملكة تكن لهن التقدير الخاص لما قدمنه من تضحيات وطنية جليلة لا تعرفها إلا الملكة (ح) وكان هناك أطفال يمتطون ظهور النعام، وفتيات يحملن سلال الورد، وعجائز يلتهمن شرائح التفاح المجفف، وعبيد يوزعون الفطائر والمشمش المغموس في العسل. (خ) أما في منتصف باحة الاحتفال فكانت استعراضات الجنديات يطبعن قبلاتهن على أنصال الرماح النارية وهن واقفات على ظهور الجياد ويسير من خلفهن حاملو القذائف بعضلاتهم المفتولة تحت دروعهم البرونزية، وقد نقش على كل درع شعار المملكة على هيئة قرنين معقوفين تحت شمس كبيرة.
في (أ) نحن مع صورة ميكارت نافضا عن جسده النوم، ثم في (ب) يتوجه نحو النافذة ويشد الستارة، ولنتذكر هنا أن النافذة والستارة هما مدخل مميز لعديد الروائيين لوضع الشخصية في إطار رؤية حدث ما وتصويره عن طريق تلك الشخصية بدل الراوي المجهول.
الراوي يطلق العنان لمكيارت لكي يرى ويستخدم ألفاظاً تجعل منه حامل للواء الرؤية أمامنا (أي رائيا) باستمرار، وهو بذلك ينقلنا لداخله بواسطة الكلمات سابقة الذكر: (يشهد) و(يميز).
السرد السابق سرد كثيف تحضر فيه الأطر أو كما نقول (سردا تاطيريا) كما يتم أيضا فيه بناء الصورة السردية على المستوى البصري. 
التأطير يتم أيضا عبر ربط الشخصيات بالأماكن القادمة منها مثل: (فتيات سيرداليس) و (تجار العاج القادمين من وادي متخندوش). 
الصورة التالية في (ج) هي صورة متواترة متكررة في الرواية عدد المرات وهي للسيدات الجالسات خلف الملكة، وهو ما يضيف بعدا حقيقيا لقضية حضور الملكة تندروس، ويجعل منها أكثر فخامة وهيبة. 
يستمر الوصف من خلال الإيحاء بعين ميكارت ليتم وصف الحاضرين وصفا منظما عن طريق تقسيم الموصوفات عبر جمل متتالية متشابهة أو متجاورة وهي تقنية مميزة من تقنيات توظيف الوصف في هذه الرواية المميزة. لنلحظ بعض من ملامح ها التنظيم هنا:

أطفال على ظهور النعام

فتيات مع سلال الورد

عجائز يتناولن شرائح التفاح المجفف

عبيد يوزعون الفطائر...
يتحقق ضمن ما سبق من وصف منظم الربط بين كل مجموعة من الشخصيات وهي تقدم قائمة بفعل ما وهذه الأفعال كلها لها علاقة بالحفل الذي هم فيه. سنجد أيضا في (خ) صورة المقاتلات والجنود و فيها نلحظ نفس فعل الوصف المنظم مع التأطير والربط بين مجموعات الشخصيات. 

3.3.2 لقاء ميكارت والملكة والبعد اللمسي للصورة: 

في نهاية الفصل الأول وبعد حوار استعراض الماشية ثم استعراض الغزلان نجد ظهور ميكارت بغزلان الملكة خاصة الغزالة سافي التي ستكون محور حواره مع الملكة، لنتابع ذلك هنا:
لنتابع تصرف الملكة التي اعترضت طريق الغزالة
" اعترضت طريق الغزالة سافي التي ولدت من أم شقراء وأب لونه ضارب إلى الحمرة، (ب) مدت يدها لتلامس ردفيها الطريين وخللت بأصابعها الفروة الذهبية التي تغطي ظهرها، والبقعة المختومة بزغب احمر عند خصرها، (ت) ثم ابتسمت بخيلاء وقالت تخاطب ميكارت وتتعمد أن ترفع من صوتها حتى يتسنى للآخرين سماع كلماتها:
- يا لرشاقة قدها وميوسة ردفيها.
(ث) ربتّ ميكارت على رأس الغزالة مطمئنا (ج) وقد عادت يد الملكة لتداعب ظهرها فسرت ارتعاشة في جيدها الضامر لكنها لم تجفل، (ح) لمعت مقلتاها بذلك الألق الأسود الأخّاذ من تحت رموشها الكثيفة.
(خ) أردفت الملكة بانبهار:
- وماذا سأقول عن طراوة جيدها ولمعان قرنيها. "[10]
نلحظ في القطع السابق أن الصورة ذات بعد لوني مميز في (أ) خاصة مع تحديد لون والدي الغزالة سافي، ثم نتابع في (ب) الراوي وقد وضعنا في فعل الملكة اللمسي وإنتاج صورة سردية ذات بعد لمسي ممتزج مع البصري، ثم في (ت) نحن مع الملكة وحوارها، وكله يصب في إطار البعد اللمسي والبصري. ثم في (ث) نتابع طمأنة ميكارت لغزالته تمضي في اتجاه اللمس من خلال التربيت على الرأس، ثم في (ج) عودة الملكة للمس الغزالة أيضا تكون بنفس البعد اللمسي. 
هذه جزء من التقنيات السردية التي افتتح بها الراوي إنجاز الخطاب في الفصل الأول وهي تقنيات ستستمر في بقية الرواية لتسهم في جعل الخطاب السردي مميزا ورشيقا ومعبرا عن وعي الشخصيات وأكثر حضورا لدى متلقيه.

كلمة أخيرة:

نص مميز ومتجاوز للسائد والمعتاد ومنطقة أخرى جديدة من الكتابة في ليبيا. نص يكشف عن حنكة وبراعة ويعبر عن كاتبة امتلكت رصانة الكبار من الكتاب، أي إنني بهذا النص أمام كاتبة كبيرة تدخل باقتدار لصف الكبار الذي لا يزاحمه فيه إلا قلة، وهو متجاوز وملتهب ومشبع بالتاريخ عميق وثري ويحكي عن أزمنة التشكل ولحظات الولادة لليبيا وللمنطقة وللإنسان عموما. سأنصح من يقرأه أن لا يستعجل فمستويات معناه متعددة وخفاياه كثيرة ويحتاج لجهد ثقافي للإحاطة والسيطرة وفهم مستويات الدلالة المختلفة. نص موجع بعيد الأغوار ذو شعرية وينم عن براعة الراوي الواصف وتعدد المخزون الثقافي عنده وقدرته على تشكيل مرئيات جديدة.
ومن المداخل الممكنة لدراسة ها النص أيضا:
1) مستوى الممارسة السردية المكون من التأطير والترهين من جهة ومن الأاشتغال على الحواس والوصف المقارن من جهة أخرى.
2) العلاقة مع التاريخ مدخل مميز أيضا.
3) ما خفي من دلالات فضاء المكان على المستوى الديموغرافي والوجودي مدخل مميز.
4) قدرة الكاتبة على تفعيل اللحظات الدرامية والاستفادة منها لكتابة مقاطع ذات شعرية عالية تعبر عن هواجس أو دوافع أو خصائص الشخصيات المتصارعة أو المتآلفة في الآن ذاته ترسم صورة الحرب والحب والموت والحياة. كما نجد تلك الأسطرة لشخصية الأنثى؛ كم كن إناث الرواية عظيمات، برغم ما في تصوير الراوي من واقعية تصل حد المرارة، مثل حالة الملكة مع هيريديس وحالة أيجا التي قتلت الغزالة ليبعث الليبي من جديد.
5) الحوارات والشخصيات كانت طبيعية/ إنسانية وحقيقية وهناك استفادة كبيرة من منطقة بين الحوارات وتوظيف مميز لصيغىة الخطاب المنقول عند الحاجة لها. 
6) هناك رصيد من التأمل من الحين للآخر على لسان الشخصيات هذا أراه جزء مهم من ثراء الرواية وقوتها وعمق ما فيها.
7) الوصف مميز ورائع وهذا البناء للمجتمع النصي عبر اللغة المتزنة والشعرية تجعل القارئ يلهث دهشة وتمعنا بحثا عن المزيد من الروعة.
8) السرد القريب من حدود الفنتازي، أو السرد في نهاية المنطقة الواقيعة الممكنة، لاحظ ذلك من خلال الغزالة، أو ميكارت، أو حفلات شعب الموهيجاج.
9) ثراء السرد وكثرة الأشياء المختلفة الحاضرة سواء في مجال الطعام أو الحياة أو الملابس أو الحفلات أو في الطقوس.
10) السيطرة الكاملة على جغرافيا المكان والقدرة على بناء فضاء مكاني سردي دقيق ومتقن وهائل التميز.
......................................................................................................
[1] عائشة إبراهيم، حرب الغزالة، ص.5
[2] عائشة إبراهيم، حرب الغزالة، 5
[3] عائشة إبراهيم، حرب الغزالة، 6
[4] عائشة إبراهيم، حرب الغزالة، ص. 6
[5] عائشة إبراهيم، حرب الغزالة، ص. 6
[6] عائشة إبراهيم، حرب الغزالة، ص. 7
[7] عائشة إبراهيم، حرب الغزالة، ص.7، 8
[8] عائشة إبراهيم، حرب الغزالة، ص.8
[9] عائشة إبراهيم، حرب الغزالة، ص. 9
[10] عائشة إبراهيم، حرب الغزالة، ص. 11
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    Digital currency exchangers list



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -