أخر الأخبار

الذات الليبية المفقودة.!!

الذات الليبية المفقودة..!!

كتب : سالم أبوظهير 
خلال ثلاثينيات القرن الماضي، قدم أبراهام ماسلو عالم النفس الأمريكي، نظريتة الشهيرة المتعلقة بتحقيق الذات، والتي أفترض فيها أن السلوك الإنساني تشكله وتحركه خمس أحتياجات رئيسية،رتبها ماسلو على شكل هرم متدرج ومتصاعد، بحسب الأولوية، أو شدة التاثير، فكلما أشبعت حاجة مهمة، برزت الحاجة التي تليها فيبدأ بالهرم بإشباع حاجات المأكل والمشرب والمسكن والملبس وغيرها، تليهـا مباشرة الحاجة إلى تحقيق الأمن والشعور بالأمان، ثم حاجة الإنسان إلى الحب، ثم الحاجة إلى تحقيق الـذات، التي تليها رغبة الإنسان، في الإبداع  والتطوير ليحظى بالقبول والتقدير.
وفي نفس السياق  أكد المحلل النفسي الأمريكي أريك أركسون من خلال نظريته في التطور الاجتماعي على أن حاجة الانسان الى تحقيق الأمن والشعور به، يعد من أهم الدوافع المحركة لسلوكه والتي تؤثر في توجهه نحو تحقيق غايته، وإذا ما أخفق في تحقيق هذه الحاجة بالشكل المطلوب، فسيؤدي ذلك بالضرورة إلى عدم القـدرة على التحرك والتوجه نحو تحقيق الذات.

ووفقا لهذه النظرية وغيرها من الدراسات المهتمة بتوجيه السلوك الإنساني نحو،فأن إشباع حاجة الامن تكون دائما العنوان الرئيسي الأهم، الذي يؤدى بالانسان ليكون عضوا فعالا في المجتمع يقوم بواجبه المطلوب منه على اكل وجه ليتحقق بالتالى التقدم والتطور في المجتمع كله.
فمنذ بداية 2011م وحتى الان تصاعد حدة الخلافات والاشتباكات المستمرة في ليبيا ، خلقت وبشكل مباشر مشاكل متعددة، تحولت تدريجيا الى أزمات عجزت الحكومات السابقة عن إيجاد حلول جذرية او حتى مؤقته لها، وبسبب استمرار الحرب الليبية الليبية، المدعومة بقوة من الخارج وينفذها ليبيون في الداخل، تأخر الوصول بليبيا لشط الأمان، لتساهم هذه الحرب المفتعلة التي لو أستندت على تاريخ البلاد المشرف لتوقفت، لكنها لللاسف ساهمت بقصد أو بدونه في العبث بحغرافية البلاد المتسعة الرحبة لتترك أثراً سيئا وجرحا غائراً في  نفس الليبي الذي كان يطوي بسيارته الاف الكيلو مترات ليقدم واجب العزاء في صديق يسكن في مكان بعيد عنه، يفكر الان اكثر من مرة قبل ان ينتقل من شارع لشارع، خصوصا في المناطق التي لازالت متوثرة وتحت رحمة قطاع الطرق.
غياب الامن أو انعدامه، أثر بشكل سلبي على مختلف جوانب حياة المواطن الليبي النفسـية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والمهنية والصحية، الذي وقع أسيراً لإضطرابات نفسية تتفاوت حدة هذه الاضطرابات النفسية من شخص لاخر بحسب عدة معطيات لامجال لذكرها، ومهما كانت درجة هذه الاضطرابات فأنها تفقد الانسان (بمستويات مختلفة) القدرة  على التكيف في بيئة تحيط به، فيها كل مظاهر الخوف، وغياب الأمن وعـدم الشعور بالراحة الاسـتقرار، فتظهر علامات القلق والاكتئاب والتفكير السلبي المستمر والمتقطع الذي ينحصر في التوقعات للخروج من هذه الدوامة، وانتظار المستقبل الأفضل، وعدم التوافق مع حاضر يتعرض فيه لمشاكل ماديـة ونفسية، يجد نفسه معها عاجزاً عن تامين مستلزمات ومتطلبات الحيـاة اليومية البسيطة.
هذه اللمحة البسيطة السابقة، والتوصيف شديد الإيجاز لحالة المواطن الليبي، وماطرأ على حياته اليومية من تغيير شامل، بسبب أندلاع الاشتباكات ومانتج عنها من إفتقاده الشعور بالأمن بشكل جزئي، أو أنعدامه بشكل كامل، جعلت أهتمام هذا المواطن وإنشغاله منحصر فقط في توفير الحد الأدنى لقوته اليومي وبعض حاجاته الأساسية، وبذلك فإن نتائج نظرية أركسون بالنسبة لعدد مهم من الليبيين غير قابلة للتحقيق، أما هرم "ماسلو" وفرضياته فهي شيئاً مستحيل المنال، ولاقدرة لهم (في الوقت الحاضر على الأقل) ليصعدوا درجاته، لانه مالم يتحقق للمواطن الليبي الأمن النفسي الدائم، والطعام الوفير ويشبع كافة حاجاته الاساسية، فان تحقيق ذاته سيكون أمراً يصعب تحقيقه، وفي انتظار ذلك تبقى الذات الليبية غائبة، بل مفقودة لوقت نتمنى الا يطول…!!!
* سبق نشر المقال في موقع "المغارب اللبناني".
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -