أخر الأخبار

سهرة ليبية

 قصة قصيرة بقلم : جمعة بوكليب

 غَنَاوي العَلَمْ، أعتبرها الكثيرون، المقابل لما يطلق عليه في الشعر العربي الفصيح قصيدة البيت الواحد، لكنها قصيدة بالعاميّة الليبية وبلهجة القبائل البدوية القاطنة في مختلف ربوع برقة. والجبل الأخضر أكثر تلك الربوع، حسب ضآلة علمي، خصوبة بهذا النوع الفريد والجميل من الأدب الشعبي.

علاقتي بغناوي العلم بدأت لدى دخولي الجامعة في طرابلس عام 1973، والتقائي بشباب من مختلف مناطق برقة.  وأشهدُ أن الجامعة، في ذلك الوقت، أتاحت لي، وأنا شاب، أول فرصة للتعرف على شباب، من الجنسين، من مختلف مناطق ليبيا، وكان أكثرهم من منطقة برقة أرض غناوي العلم والمجرودة والشتاوة.

 حين انتهت رحلتي الجامعية نهاية دموية مأساوية عام 1976، انقطعتُ عن أصدقائي البرقاويين، وعن غناوي العلم، إلى أن داهمتني الأيام، مرّة أخرى، على حين غفلة مني، ووجدتُني أعيش دوامة ومحنة السجن الرهيبة والمرعبة. هناك في ممرات وزنازين السجون المختلفة، التي أقمتُ فيها كارهاً مع مئات غيري، التقيتُ، مجدداً، بغناوي العلم. لكن، هذه المرّة، كان اللقاء على يد مجموعة من شباب الجبل الأخضر، الذين كان بعضهم من فطاحلة الشعراء الشعبيين وأكثرهم تمرّساً بغناوي العلم روايةً وغناءً.

حين انتهت رحلة السجن الإجبارية الطويلة والمقيتة، بدأتُ رحلة (الذّوحَان) والتيه في بلاد الناس البعيدة. وكما كانت الظروف سبباً في التقائي واستمتاعي بغناوي العلم، كانت الظروف، أيضا، السبب وراء انصرافي عنها، وانخراطي في حياة جديدة لا تختلف مرارتها عما سبقها مما بَلعتُ من مرارات. وكان طبيعياً أن أكرّس نفسي، وكل وقتي لحياة جديدة، في أرض غريبة، باردة، يغلّف سماءها ضبابٌ في لون الرماد.  ظللت أقضي كل وقتي راكضاً متقلباً في وهاد الدروب الصعبة القاسية، ومضارب الوقت العصيّة المراوغة، حتى لعبت الظروف لعبتها معي، مرّة أخرى، ووجدتني وجهاً لوجه مع شاب ليبي صغير السن، وسيم المظهر، دمث الخُلق، وخجول، وأيضاً، وهذا المهم، كان ( مخروماً) بحب غناوي العلم. كان اسمه صلاح، ومن منطقة في الجبل الأخضر الأشم تسمى (عين ماره)، قرب مدينة القُبة، وينتمي لقبيلة العبيدات. التقيته ذات نهار، شتائي بارد، في محطة للحافلات بمنطقة ويلزدين غرين. كان واقفاً في المحطة حينما وصلتها مدثراً بمعطف ثقيل، وأحزان تأكل ما تبقى من جذوة روحي. وقفت إلى جواره منتظرا ففاجأني صوته متسائلا:" حضرتك عربي؟" التفت إليه متفرّساً في ملامح وجهه أولاً، ثم عقب ذلك هززت رأسي علامة الإيجاب. سألني، مرّة أخرى:" من أي بلد؟" أجبت بلا مبالاة:" ليبي." تنفّس الصعداء، وكأني بإجابتي تلك أزحت عن صدره حملاً ثقيلاً. قال لي بفرح إنّه ليبي أيضاً. عرفت من لهجته أنه برقاوي. قال إنه وصل لندن منذ أسبوع في دورة لتعلم اللغة الإنكليزية، وإنه متخرج حديثاً من كلية القانون في مدينة درنة، وإن مدة الدورة الدراسية سنة كاملة. قال إن اسمه صلاح، ويسكن بهذه المنطقة ويدرس بمدرسة لتعليم اللغة الإنكليزية بالقرب من أكسفورد ستريت. قال أنه وحيد وأن جهله باللغة الإنكليزية زاد من وحشته. قال أيضا أنه مشتاق لأهله ولأصدقائه في عين ماره ولا أنيس له سوى غناوي العلم. (وجَعْنِي حَالَه)  ابتسمت له وطمأنته وقلت له إن اسمي جمعة، وإنني على خصومة مع اسمي، ومقيم في هذه المنطقة منذ مدة، وعلى استعداد لمساعدته إن أحتاج للمساعدة. وصلت الحافلة صعدنا معا وجلسنا في مقعدين متجاورين وبدانا حديثا لم ينته إلا بوصول صلاح إلى محطته حيث أمليتُ عليه رقمي الهاتف وتوادعنا.

في مساء اليوم التالي تلقيت مكالمة هاتفية من صلاح، وبعد محادثة قصيرة عرضتُ عليه القدوم إلى مسكني وتناول العشاء معي فرحّبَ شاكرا بالدعوة. وصفت له كيفية الوصول إلى عنواني. بعد حوالي ساعة وصل صلاح وجلسنا معا في حجرة الجلوس نتحادث ونستمع إلى شريط من الأغاني الليبية القديمة. حين جهز العشاء، تعشّينا معاً، وشربنا شاياً بالنعناع، ثم بدأ صلاح يسرد عليّ محفوظاته من غناوي العلم، وأدهشني أن يكون شاباً، في مثل سنّه، يحفظ كمّاً هائلاً منها. قضينا وقتاً طويلاً معا، وقرابة منتصف الليل غادرني وتمنينا لبعضينا ليلة طيبة.

حين بدأت لقاءاتنا تتكرر عرضت عليه مساعدته في دروس اللغة الإنكليزية، فرحّب بالفكرة. وبدأنا نلتقي، كل مساء، إما في بيتي أو في بيته. منذ الأيام الأولى تبين لي أن صديقي لا رغبة له في الدروس والمراجعة، وأنه سعيد بوجودي لتبديد وحشته، خاصة وأنه يجمعنا حبٌ مشترك لغناوي العلم. ما أن نجلس حول المنضدة، ونبدأ المراجعة، يبدأ توالي وصول الرسائل الهاتفية عبر هاتفه الجوّال. يأخذ الهاتف بين يديه ثم يقول لي :" اسمع هذي يا أستاذ جمعة." ويقرأ عليّ فحوى الرسالة الهاتفية، والتي هي غنّاوة علم، ويطلب رأيي فيها. ثم يردّ على الرسالة بغنّاوة علم، ويستمر الكرّ والفرّ حتى تفيض مرارتي. تبين لي أن الرسائل الهاتفية كانت تصله من أصدقائه في كل مناطق بريطانيا ومن ليبيا أيضاً. مرّة طلبت منه أن يغلق الهاتف حتى يمكننا التركيز على الدروس، إلاّ أنه ضحك ضحكة شقية، وقال لي :" ما تعدلش يا أستاذ " ولم يكن أمامي خيار أخر سوى أن أعمل بنصيحته، وأستمتع بما كان يقرأ عليّ من غناوي.  قرب نهاية الجلسة، يبدأ في الغناء بغناوي العلم، وحين يغني الغنّاوة يدخل في حالة غريبة. يضع يديه حول رأسه، ويبدأ في الغناء بدمدمة عالية موجوعة، وكأنه يعاني من ألم حاد، ثم ينطلق صوته حزيناً بالغنّاوة، فبدا لي وكأني أرى وأسمع راعي غنم في بر بعيد حيث لا ماء ولا شجر، في حالة قاسية من الألم، ولا أحد بجانبه ليؤنسه سوى أغنامه الهزيلة المتعبة، والغناء النازف من جروح الروح. ورغم استمتاعي بالغناء إلاّ أنني كنت شديد القلق خوفاً من إزعاج الجيران، خاصة وأن رغبة صلاح في الغناء تأتيه، دوماً، في ساعة متأخرة قليلاً من الليل، وقرب نهاية السهرة. أعلمته، عدة مرات، بضرورة مراعاة الجيران، لأن جدران المنازل في بريطانيا تعتبر ورقية مقارنة بجدران المنازل في ليبيا الأمر الذي يجعل المرء، في كثير الأحيان، يشعر أن جيرانه يقيمون معه في نفس الشقة، وبمقدوره سماع أحاديثهم وحركتهم وشجارهم، وأحياناً، حتى مناوشاتهم الحميمة جداً!!

استمرت علاقتنا على هذا المنوال ثم بدأ صلاح، حين لا أكون معه، يبعث إليّ بغناوي العلم مكتوبة عبر هاتفي الجوّال. بعدها أصر على تعليمي كيفية الغناء إلا أنه اكتشف، بعد فترة قصيرة، أن أمله في تعليمي غناء غناوي العلم يتساوى  وأمل إبليس في دخول الجنّة. مرة عزمني على عشاء في بيته صحبة صديق له قادم من مانشستر اسمه مراجع ومن نفس قريته والاهم من ذلك أنه- حسب وصف صلاح- أفضل من يغني غناوي العلم في عين ماره. في المساء عقب انتهائي من عملي رجعت إلى شقتي واسترحت قليلاً ثم غيرت ملابس العمل بملابس مريحة وتوجهت إلى بيت صديقي حيث وجدته ومراجع في انتظاري. تركني صلاح أدردش مع مراجع دردشة تتعلق بمانشستر والدراسة وأنصرف هو لإعداد وجبة العشاء. كان مراجع شخصا ظريفا قصّ عليّ، بلهجته البدوية ، قصصا وحكايات مسلية جدا حتى جهز العشاء وتعشينا وشربنا الشاي ودخّنا السجائر، ثم بدأ الاثنان مسابقة في أيهما يحفظ أكثر من الأخر من غناوي العلم. تبين لي أنه ليس بمقدور صلاح سوى الرضى بأن يكون تلميذاً مجتهداً في حضرة فطحل اسمه مراجع. أخذ مراجع في الغناء بصوت شجي جداً وباعث على الألم، يفيض حرقة وشوقاً، ومثقل بحزن كالذي يلتهم الروح مني، وقوي، هزّني وحرّك لواعج الحنين في قلبي، ولم يتوقف حتى سمعنا طرقاً شديداً على باب البيت. طلب مني صلاح بأدب أن أفتح الباب واستطلع الحال. نهضت من مكاني على الكنبة، ونهضا هما أيضا، وتوجهت نحو باب الشقة، وهما يتبعانني، وفتحته. وجدت أمامي شرطيين واقفين ومعهما سيدة توقعت أن تكون جارة لصديقي وأنها صاحبة الشكوى دون شك. قال أحد الشرطيين أن السيدة بيكيت التي تسكن بالشقة المجاورة سمعت رجلا يبكي بصوت عال وموجوع وكأن صاحبه يعاني من ألم شديد نتيجة لتعذيب أو شيء مشابه، لذلك اتصلت هاتفياً بنقطة الشــــــــــــرطة لإبلاغها بالأمر وأنه وزميله أرسلا للتحقيق في الموضوع!!
 لندن
2008

هذه القصة نشرت في مجموعة (خطوط صغيرة في دفتر الغياب) الصادرة عن دار الهلال بالقاهرة 2013 










تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -