أخر الأخبار

الليلة بريطانيا خارج الاتحاد الأوربي

بريكست

 الليلة بريطانيا خارج الاتحاد الأوربي

كتب: د. سالم الهمالي 

حتى الثاني عشر من ديسمبر الماضي كانت قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي مثار جدل واسع بين أفراد الشعب الانجليزي وأحزابه، منقسمون على أنفسهم بين من يؤيد الخروج بنسبة ضئيلة على من يؤثر البقاء مع تعديل شروطه. هذا الحدث بلا ادنى شك هو الأبرز منذ الحرب العالمية الثانية.
كيف يمكن فهم ما حدث ؟!
الشعب الانجليزي يعيش في جزيرة بالرغم من تاريخهم الإمبراطوري، واشد اعداءهم تاريخيا هم جيرانهم من الأوربيين خصوصًا الفرنسيون والألمان. ويرون أنفسهم اقرب لأمريكا بحكم سيادتها على العالم، او بتعبير آخر بشعور من يتودد لملك الغابة باعتبار انهم كانوا ملوكها يوما ما. هذه الوضعية جعلت الأمريكيين يرون في بريطانيا حليف اقرب من غيرها من دول الاتحاد الأوربي، ولا شك ان عامل اللغة جعلهم اكثر اقترابا.
في نهاية القرن التاسع عشر تزوج عدد كبير من أعضاء مجلس العموم واللوردات من أمريكيات مما عزز تلك العلاقة وما يتبعها من شعور انهم امريكيين إلا قليلا، او كما يحبوا ان يتخيلوا الأمريكان بريطانيين إلا قليلا !!
الاتحاد الأوربي كان المعالجة المقبولة من الأوربيين لواقعهم بعد الحرب العالمية الثانية، اَي انهم استبدلوا حالة الحرب بميثاق يوحدهم، خصوصا بعد ادراكهم انه بدون نجدة الأمريكيين لكانت نهايتهم في بطن الدوتشي. تأسيس الاتحاد الأوربي كان مدعوما امريكا، جزء من مواجهة البعبع الاشتراكي، لكن الروح الإنجليزية ظلت متعلقة بالقطب العالمي أكثر من انخراطها في المشروع الأوربي، الذي ركبت عرباته متأخره عن الآخرين وبشروط مزعجة لهم.
تطور الاتحاد الأوربي حتى اصبح قاب قوسين او ادنى لتكوين ما يشبه الدولة الواحدة اقتصاديا (مصرف مركزي، عملة اليورو، سياسة خارجية واحدة)، كل ذلك على مضض من الإنجليز الذين وجدوا من بني جلدتهم من يصعد اللهجة ضد الاتحاد الذي سيسلبهم قرارهم الحر عبر برلمان منتخب.
حزب المحافظين، هم الأقرب للأرستقراطية والأكثر توددًا للأمريكيين والأشد نزعة ضد الأجانب في العموم، وبين أحشائه تنامى تيار رافض للاتحاد الأوربي مطالبًا بالخروج منه، مما ادى الى انشاء حزب المستقلين الذي سلبهم بعض من كانوا يدلون باصواتهم للحزب.
توسع الاتحاد الأوربي، بإنظمام دول أوروبا الشرقية اليه، والذي كان مدعوما من الإنجليز فاقم من المشكلة الإنجليزية، اذ وجد مواطني تلك الدول الفقيرة نسبيا فرص عمل مغرية في بريطانيا، وانجذبوا بقوة الى حيث وجدوا فرص العمل مدعما بضمان رعاية صحية واجتماعية ببلاش ... اقتلني يا سمن العسل !!
خلال اعوام قليلة اصبح الأوربيون بمئات الآلاف، اغلبهم من بولندا ورومانيا ولتوانيا وغيرها، مما نشر حالة من الانزعاج الشعبي، استثمرتها الصحف السيارة والسياسيين الشعبويون مثل نايجل فارج وغيره، مما ارعب حزب المحافظين، وتحت ضغط كبير استسلم له رئيس الوزراء آنذاك ديفيد كاميرون بالموافقة على اجراء استفتاء شعبي لتقرير الامر؛ اما الخروج او البقاء في الاتحاد الأوربي.
جاءت نتيجة الاستفتاء عكس ما توقعت الحكومة والمؤسسات العميقة والنخبة، اذ صوت للخروج الفقراء والطبقة العاملة، في حين ان اغلب الطبقة الوسطى أرادوا البقاء ...
تلى الاستفتاء صراع كبير، بمحاولات تأخير تنفيذه او أعادة إجراءه او إلغائه، لكنها لم تفلح جميعا، فحالة التوتر أفسدت الحياة السياسية وكبلت الحكومة، مما ألجأهم الى اجراء انتخابات مبكرة، بعد ان تهيأت كل الظروف لفوز حزب المحافظين، الذي وعد ناخبيه بانهاء الدراما والخروج نهائيًا من الاتحاد يوم 31 يناير 2020 ... هذا اليوم عند الحادية عشر مساًء.
لا أحد يجزم بما ستأول اليه الأمور، نمو اقتصادي أم ركود، لكنهم فضلوا السير في اتجاه واحد مهما كانت النتائج والتعامل معهما بما تستوجب.
وأخيرا، يجب ان أشير الى ان بعضهم يتنبأ بانهيار مشروع الاتحاد الاوربي، نتيجة للعبء الثقيل من الدول الأضعف اقتصاديا بما يرهق الدول الغنية فيه، وبمفهوم هولاء ... الإنكليز خرجوا من كارثة في المستقبل، والمستقبل فقط من يعلمنا من كان على صواب ...

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    Digital currency exchangers list



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -