القائمة الرئيسية

الصفحات

أخر المنشورات [LastPost]

شعر وفلسفة وجمال في رواية حرب الغزالة

       

صحيفة المنظار :صحيفة فسانيا

سالم أبوظهير
تنويه : 
(هذه المقالة ليست مقالة نقدية على الاطلاق ، إنها فقط محاولة من قاري جاد ، أكمل قراءة الرواية بذهن متفتح ،وأهتمام شديد ،ومحبة مستحقة ، ووجد أنه كما  أستحقت  القراءة ،تستحق أيضا الكتابةعنها ..)

                              كاتبة الرواية....

في زمن قصير فرضت الروائية الليبية الشابة عائشة إبراهيم إسمها في المحفل الأدبي الليبي والعربي بجدارة  وأقتدار،وأحسب أنها ستكون أسماً ليبيا لامعاً  في المحافل العالمية إذا واصلت السير على هذا النهج ، خاصة بعد أن حضيت روايتها الاولى قصيل بإهتمام القراء والنقاد على حد سواء. ووصلت روايتها الثانية موضوع هذه المقالة للقائمة الطويلة لجائزة البوكر للرواية العربية لعام 2020، 
وبحسب  موقع الجائزة العالمية للرواية العربية على شبكة الانترنت فأن عائشة أبرأهيم " روائية ليبية من مواليد مدينة بني وليد 1969، متحصلة على بكالوريوس علوم تخصص رياضيات، ودبلوم الدراسة العليا في الإحصاء. عملت بالتدريس، ثم بمجال الإعلام كمدير تحرير للموقع الرسمي لوزارة الثقافة الليبية، ثم مدير تحرير لموقع المفوضية العليا للانتخابات إلى الوقت الحالي. بدأت مشوارها الأدبي في مرحلة الدراسة الجامعية في التسعينيات حيث تحصلت على جائزة الدولة للطلاب في مجال الكتابة المسرحية خلال العام1990 . صدرت لها مجموعة قصصية بعنوان " العالم ينتهي في طرابلس" (2019) وروايتان: "قصيل" (2016) و"حرب الغزالة" (2019). تعمل حاليا على كتاب عن تاريخ الفنون في ليبيا."

                             الرواية .....

صدرت رواية حرب الغزالة في مطلع عام 2019م  ونشرتها مكتبة طرابلس العلميَّة العالميَّة ، في 256 صفحة من القطع المتوسط. زمن الرواية حقبة قديمة من التاريخ الليبي الموغل في القدم، ( في العصر الهولوسيني المبكر الذي أعقب عصر الجليد ص 7). وتدور احداثها في وادي تشوينت بمنطقة جبال أكاكوس الواقعة جنوب غرب ليبيا . نقلت الرواية في سرد جمالي ممتع ، يوميات الإنسان الليبي القديم ، جسدت فيها ( عهد الملك والاستقرار،وتضحيات الأجداد من أجل البقاء ، والأحتفاء بالانتصارات،والارواح الممتلئة بيقين العبادة المؤمنة بأن الخصب والولادة وسيلة لللاستمرار وتعمير الارض.ص 45)
وكيف كان هذا الليبي القديم  يستوطن المكان، ويدجن ( الغزلان الشقراء والذهبية والبيضاء والعسلية والرمادية المرقطة بلون الحليب ص 7 ) ويربي في حضائر مسيجة قطعان الابقار والمواشي والخنازير البرية ، وكيف كان يرسم اللوحات الفنية ويقيم المعارض ليؤرخ ليومياته ،وكيف كان يعشق ويعزف الموسيقى وكيف يتفنن في ( صنع القياتر المختلفة الاحجام والاشكال من العاج المطعم  بالخشب ص 19) وكيف يحرص على الاحتفال بمناسباته ، وكيف كان الليبي القديم يحب ويكره ويغار ، وكيف كان يحيك الثياب ، ويقدس الالهة ويحب مليكته التي كانت تحب الرقص والغناء ( وتجزل العطايا للخياطين ،ومصففي الشعر ، وتشغل مواطنيها باناقتها الملفتة  ص 24) وكيف كان يحيك المؤامرات ويخوض الحروب مدافعا عن مملكته من غزو الطبيعة وغزو الإنسان.
رواية حرب الغزالة تحكي قصة حرباً شنها شعب الموهيجاج  الليبي ، على من تجرأ على ملكته ومملكته وسرق الغزالة سافي التي ( ولدت من أم شقراء ،وأب لون ضارب الى الحمرة ،وينتني جيدها على نغم الناي،وترقص على أنغام القيثارة ص 57) 
 سافي التي استعادها بطل الرواية بعد ( رحلة محفوفة بالمخاطر والأهوال ص  168) ، لكنها تنقذ حياته من موت محقق بعد أن لذغته أفعى ، فتموت  بدلاً عنه ، وهي ( ..تسحب السم من ساق ميكارت إلى أحشائها اللينة الحارة،تذوبه في أوردتها وتحوله إلى ترياق يعود إلى الجسم  المحموم بالحياة ص 239)
فيما يقرر ميكارت بعد موتها وإنقاذها لحياته  ( ..أن رحلة الغزالة قد انتهت لترقد في ترابها ، أما رسالتها في الحياة فلم تنته بعد ص 255)، وبسببها أطلق ميكارت سراح كل الغزلان المحبوسة في حضائر الملكة تندروس، لتركض ( ..نحو المروج الخضراء في سهول تشوبنت التي جاءت منها ص 256 ).
                     شخصيات الرواية الرئيسية.....

إلى جانب الغزالة سافي التي هي المركز الرئيسي في الرواية عندها تلتقي كافة الخطوط ويتمحور جل الاحداث حولها وعليها . في الرواية شخصيات محورية مهمة وهي :
ميكارت 
هو  بطل الرواية، به تبدأ فيرد أسمه في أول سطر فيها ،( بينما كان ميكارت يهم بمغادرة الحظيرة  ص 7وتنتهي سطورها به وهو يطلق سراح العزلان من حظيرة الملكة. وهو فنان يجيد العزف على القيتارة و ( راعٍ  أعزب في الخامسة والعشرين من عمره،يعمل في تهجين فصائل الغزلان النادرة ص 20).
تندروس
ملكة مملكة وان موهيجاج وهي شخصية محورية في الرواية تعشق الموسيقى والازياء وتفعل كل مابوسعها لجعل مملكتها قوية ومتحضرة وهي ( مهووسة مثل كل الزعماء بفكرة إخبار الاجيال القادمة عن امجادها التليدة ص 43). 
هيريديس
 شخصية محورية في الرواية ، لها دور رئيسى في كثير من احداثها،  وهي تجيد حياكة ثياب الملكة ، وشاركت في الدفاع عن المملكة  فاحبها شعب الموهيجاج لدرجة القداسة  مما جعل الملكة تغار منها ،وتخطط لقتلها بالسم فيموت بدلا منها طفل الموهيجاج  و هيريديس كما تحدتث عن نفسها في متن الرواية، (ابنة القمر وتعلمت الحياكة من جدها ص28).
هيرماس
 رئيس حرس الملكة ،ورجل المهمات القذرة في البلاط الملكي (...خمسيني ضخم ذو حاجبين كثيفين وشعر كث طويل، تشي ملامحه بجلافة المحاربين الغلاط الشداد  ص10). 
ميهلا
 (...تجاوز السبعين عاما من عمره ،لكنه مازال يرفل بأثر وسامة غابرة، وعينين ساحرتين  ص48) وهو معلم الرسم وموثق احداث المملكة اليومية ،ومجسد عهد الملك والاستقرار بالرسم والنقش على جدران المعابد والكهوف.
كاشيون
 زعيم  قبائل  الماغيو ، هجم بجنوده على مملكة الموهيجاج ،واستباح حرمتها ، وسرق من حظائرها الغزالة سافي التي تعد رمز لهيبة شعب الموهيجاج، وكاشيون بحسب الرواية (...رجلاً قوي البنية ملفوف القوام له بشرة داكنة مشرئبة بحمرة ويبدو في عقده الخامس من العمرص169) 
إيجا
زوجة كاشيون  ساعدت ميكارت لاستعادة سافي ،ثم انقدت حياته وعادت معه لمملكة الموهيجاج،و قالت الرواية أن إيجا (...أقرب في ملامحها من نساء الموهيجاج بقوامها الطويل وعيناها اللوزيتين وشفتيها المكتنزتين بلون القرنفل ص 171 ) 
                         الشعر في الرواية...

يبدو لي أن عائشة إبراهيم لو لم تحترف كتابة الرواية ،لنظمت الشعر وأبدعت فيه،ففي حرب الغزالة تشعرأن مؤلفتها شاعرة مبدعة وموهوبة، فلم تكد تخلو فقرة من فقرات الرواية- تقريبا- من لوحات شعرية، تنبض بروح شاعرية ،كاتبتها تستند على دراية كافية بالتصوير ورسم الكلمات.
تأمل هذه اللوحة ، التي وردت في الرواية على لسان هيريديس وهي تخاطب حبيبها ميكارت فتقول: 
(...الفتاة التي عشقت القمر 
لم ينتظرها
هي التى كانت 
تنتظر 
وتذوب
في انتظاره
خريف بعد خريف  ص 33 )
أليس هذا شعراً تنبض مفراداته العذبة بشاعرية أخادة ؟ شعراً لاتنقصه الموسيقى ولا الصورة ،وهذا ذكرني بقول لناقد انجليزي يرى فيه أن " كثيراً من النظم ليس من الشعر في شئ، وكثير من النثر قد يكون شعراً مع تجرده من الوزن"
وتأمل جمال الصورة الشعرية في هذه الفقرة القصيرة الرائعة : 
(...الرعاة المترفون
حليقو الرؤوس
مشدبو اللحي
المتلفعون بالتياب الأنيقة
الرعاة
عشاق النهار ص 183 )
وعلى هذا المنوال سارت عائشة في روايتها حتى يخيل اليك ان بعض ماتقرأه شعراً وليس نتراً ،فهنا مثلاً صورة شعرية أخرى وموسيقى 
(...تمسح دموعها
التي تنهمر
براقة 
تحت 
ضوء القمر ص 200 )
في حرب الغزالة  تستوقفك كثير من العبارات والجمل المفيدة بجمالها وكمالها وبراعة تصويرها وموسيقاها هنا نقرأ (...السمراوات الفاتنات بعيونهن الناعسات  وجدائل شعرهن المفتولة بالازهار ص 13)
وعلى لسان ملكة موهيجاج تصف الغزالة سافي بجمل قصيرة وكلمات معبرة (...يالرشاقة قدها وميوسة ردفها ص 15)
أما عبارة (...لكم أتالم الان ! تسلخني جراح الخيبة ،ومرارة الخدلان ص 125 ) فهي عبارة اراها غنية بالشعر غناء لاحد له .

                       جماليات المكان في الرواية

تحدد الحيز المكاني للرواية على هذا النحو (..مملكة وان موهيجاج التي تمتد من تخوم غابات فزان الكبرى شمالاً،عند بحيرة سيرداليس الى ممر تخرخوري في الجنوب ص 48 ). ولم تخل صفحة او فقرة في الرواية من لوحات تصف الامكنة بشاعرية وجمال يعكس روح تستند على دراية كافية بالتصوير ورسم الكلمات ، فإلى جانب الصور الشعرية  المكتوبة، لم تتوقف عائشة عن تشكيل اللوحات الفنية الرائعة  ورسمها بالكلمات، تأمل معي هذه الصورة الفنية الأخادة المعبرة ، وهي تمهد لتخطيط الملكة التي تكاد تقتلها الغيرة من الفتاة التي وفدت على مملكتها واحبها شعب الموهيجاج لدرجة القداسة فقررت قتلها وتصف عائشة ليلة التخطيط للقتل قائلة: (..ذات ليلة ،كانت القناديل في ردهات القصر شاحبة وبليدة،وتنعق الوطاويط في الخارج معلنة عن فرحتها بجيفة خرتيت نافق ص 216 )
وفي صورة قلمية تضج بالسلاسة وجمال التركيب الفني وصفا للمكان المحيط بقصر مملكة الموهيجاج المطل على احد وديان جبل اكاكوس : (..السحب الرمادية تغطي قمم الاكاكوس،وتعبت ريح مجنونة بأشجار المشمش المكتظة في حديقة الفناء،فتنزع عنها ازهارها البيضاءوتذروها في الهواء ص 38 )
وقد زخرت الرواية بالالوان فنجد فيها الاحضر والاصفر والاحمر والازرق والبندقي والبنفسجي والرمادي والحليبي ،وكل هذه الالوان وظفتها عائشة ايما توظيف لتتحول إلى رسامة بارعة ترسم الصور الجميلة في  سطر أو ثلاثة أو عشرين سطر .
ففي مكان من الرواية تصف لنا وترسم في سطور قليلة، لوحة فنية أخرى غاية في الاتقان فيها الموسيقى واللون والطعم والرائحة أيضا : (..المكان يعج بالتعابين الكبيرة المرقطة بالأخضر والأزرق،والنحيلة ذات الاوداج المنتفخة،وأخرى صفراء ذات جلاجل ..وأكفهر الهواء برائحة حامضية تطلق فحيحها في كل مكان ص 232 )
وبشكل عام فكما نقلتنا رواية حرب الغزالة تاريخيا الى الزمن الليبي القديم ،فأنها لم تغفل عن وصف امكنة الرواية بشكل دقيق ومذهل وماتحتويه هذه الامكنة من جبال شاهقة ووديان سحيقة وسهول فسيحة ممتدة وانهار جارية وحتى ماتحويه ارض الموهيجاج من ثمار ومزروعات.
                            المرأة في الرواية

للنساء حضوراً فاعلاً في الرواية ، بل كانت المرأة من الشخصيات الرئيسية التي ارتكزت عليها معظم الأحداث ،واجتهدت عائشة كثيراً لتقدم لنا الانتى بشكل مختلف ،على غير ماتم تداوله في كثير من الادبيات التي تحضر فيها الانتى بشكل عام كسلعة او اظهار مفاتن واغراء وقبلات وجنس وما الى ذلك من دور المرأة التقليدي وصورتها النمطية في الاذهان . ففي رواية حرب الغزالة نتعرف  على المرأة الليبية في الزمن السحيق،ومايتميز به هذا الواقع من خصوصية ، كما نستكشف عبر سطورها  جوانب خفية من الحياة اليومية لنساء الانسان الليبي القديم.
فالمرأة في الرواية ملكة جميلة  وأنيقة وقوية أيضا : (..ورثت العرش عن شقيقها وورثت التحدي والعناد عن  جدها ص 84 ) ، والمرأة في الرواية  ايضا فتاة جميلة (ونحيلة ،خمرية اللون ذات عينين عسليتين وشعر بندقي طويل ص 25 ) وزيرة للخياطين في البلاط الملكى وحائكة لثياب الملكة ولحراسها وهي محاربة شرسة  نجحت خلال فترة قصيرة من دخولها لقصر مملكة موهيجاج أن  (..تكتسح القلوب والعقول لتصبح في مصاف الالهةص 123 )،وهي في شخصية أخرى أمرأة وفية لوطنها وأهلها وأصلها الذي نبتت فيه وخرجت منه ،لاتتنكر له ولاتنساه حتى لو وصلت لتكون ملكة متوجة زوجة ملك متوج في بلاد غير بلادها لانها تريد أن (..تكون كائناً حقيقياً وليس ظلا حتى وان منحت الجاه والسلطان ص 176 ).

                   الحكمة والفلسفة في الرواية

نجحت رواية حرب الغزالة في التقاط المعيشي اليومي لللانسان الليبي القديم ، الذي عاش في كهوف اكاكوس ، ونقلت الينا بقبضة فنية متماسكة ،خفايا هذا الانسان ووساوسه وطموحاته ومشاكله اليومية وحالاته النفسية وقت الحرب والسلم ،وعلاقاته الاجتماعية ومناسباته وحفلاته الراقصة ، وعلاقته بملكته ومملكته والهته ،وهذا لعمري انجاز برمته يستحق منا الوقوف عنده وكشفه والتحدث عنه .
كما حوت الرواية تضمينات فلسفية  كثيرة ، لا تكشف فقط عن ثقافة وسعة اطلاع مؤلفتها،بل تكشف لنا بوضوح قدرتها المنجزة على توظيف الحكم المأثورة والاقوال والموروثات الفلسفية،وتطويعهما فنيا لصالح الرواية واحداثها المتشعبة.ففي بداية الفصل الثالث من الرواية تنقل لنا حكمة قديمة تقول : (..عندما لايكون امامك إلا طريق واحد للنجاة فاسلكه وسوف تساقط عليك المعجزات من السماء ص 38 ) وتنقل لنا على لسان الحكيم ميهلا عبارة فلسفية أخرى (..علينا أن نملأ الفراغ الذي في داخلنا بقوة الذات المطلقة ص 60) ونجد مقولة اخرى فيها مافيها من الحكمة والفلسفة والجمال  (الحرب والريح قرينان متلازمان،وأن نصل الرمح له وجهان ،أحدهما يقبل وجنتي الحياة والاخر يجتثها دون اسف ص 98 ) ولايسع المقام هنا لعرض ما احتوته الرواية من فقرات وعبارات تحمل حكم ومضامين فلسفية راقية تتوافق مع السياق العام للرواية وتخدمه بشكل موفق ، لكن لابد من الاشارة الى قدرة كاتبة الرواية في استعمال الرابط الخفي أو الظاهر والتداخل القائم في متن الرواية،وبين الفلسفة واحداث الرواية وشخوصها في المجمل،وفي المحافظة على البناء الروائي بشكل خاص.
                             وختاماً..

هذه بعض الملاحظات المستعجلة ،التي كونتها وانا انتهي من قراءة رواية حرب الغزالة، ولاشك مطلقاً  ان ثمة جوانب اخرى كثيرة ومهمة جداً اغفلتها ربما تفتح المجال امام اخرين  ليفردوا لها دراسة مستقلة لانها تستحق ذلك باعتبارها رواية حولتها كاتبتها بذكاء وفطنة الى قالب ابداعي وعالم من الزمن الغابر قائم بذاته له قوانينه وشخوصه وحركته وتطوره تحكمت بحرفنة في خيوطه وعلاقاته ، ونقلته لنا بشكل متفرد وباسلوب جديد ومختلف هذا العالم و ما فيه من خير وشر وحرب وسلام وحضارة ومكر وخداع ومؤمرات وحب وكره وغيره  وكل التفاعلات الانسانية لتتشكل بذلك حرب الغزالة وتكون انجازا حقيقيا للمكتبة الليبية والعربية وربما العالمية عن قريب . 

تعليقات

Electronic money exchangers listing