القائمة الرئيسية

الصفحات

أخر المنشورات [LastPost]

معمر في راس الطبل


بقلم: مختار البوسيفي

على ضفاف وادي المجينين..جغرافيا الورع والحكمة والجوار الحسن!.


في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، على ما أذكر، أي قبل مايزيد عن ثلاثة عقود، اجتمع الضابط البارز خليفة حنيش؛ "لا أعرف رتبته حينها"، بالمقربين من رجالات أولاد أبوسيف، وأبلغهم عزم "القائد" زيارتهم قريبا!.
في تلك السنوات، وعلى طول زمنه، كانت ل "حنيش" علاقات وثيقة بأغلب، إن لم اقل كل زعامات قبائل الجبل الغربي، تجمعهم صحبة وصداقات، ورفقة عمل، ورحلات مشتركة لصيد الغزلان والودان في صحراء الحمادة الحمراء، ومنهم، بطبيعة الحال، قبيلة أولاد أبوسيف، التي يربطها، جغرافيا وتاريخيا، جوار وعهد متين، بجارتها الوفية قبيلة "ورفلة"؛ عبر سلسال مترابط من القرى والبلدات، يمتد من بلدة نسمة، إلى "راس الطبل"، مرورا، ب "تنيناي"، و"شميخ"، حتى قمة "الضهرة" في قلب دردنيل طرابلس، حيث مدينة بني وليد،.. يرتوون معا، من رقراق ماء واحد، تهبه لهم سيول وادي المجينين العتيد، رحمة بهم، وبمراعيهم الصحراوية، زمن الجذب والجفاف.
في هذا اللقاء تطرق "حنيش" إلى حادثة وقعت مؤخرا، (في ذلك الزمن)، وروى لهم أن "القائد" حلم ذات ليلة ب حيوان "صل" يلتف حول جسده ويعتصره، حتى كاد أن ينتزع روحه، وفي لجة صراعه للتنصل والانفلات، إذ برجل يلتحف البياض، يشق غبش الخلاء الصحراوي القاحل، شاهرا سيفه، وبضربة واحدة، فصل جسد ذلك "الصل" إلى نصفين، وتحرر القائد.. وتنفس!.
ما لا أعلمه، وأرجحه، أن القائد أعاد رواية تلك " الحلمة" لأحدهم، مستنيرا بتفسيره، وأعتقد أنه حنيش نفسه، إن لم يكن عبدالله السنوسي أو هما معا"؛ وقد أشار إليه هذا أو هذان، بما معناه، أن السيف يرمز لقبيلة "أولاد أبوسيف"*، وقد يكون هذا الحلم "فال خير"، وتباحثا فكرة ترتيب زيارة إلى "نسمة" مركز القبيلة، للتبرك، ونيل "فاتحة" من مشائخها؛ لما اشتهر عنهم من ورع وطلب علم وحكمة، تجرعوها، خلف عن سلف، من منهال جدهم، الشيخ التقي سيدي عبدالنبي الأصفر، محيي ودفين منارة زاوية أبي ماضي الشهيرة ب(الأزهر الصغير)، بمنطقة ككلة.

تفاصيل ما سيأتي كنت شاهدا عليه، وقد تزامن، للأسف والفرح في آن، مع أعوام فشلي في الثانوية العامة، ما أجبر أبي حينها إلى (نفيي) إلى قرية "راس الطبل"، حيث يقيم جدي الحاج الهادي بن عبدالقادر رحمه الله، أرعى أحد قطعان ماشيته في أقصى مضارب القبيلة على تخوم حدودها مع بلدة "تنيناي" الوديعة بأرض ورفلة.
هذه الواقعة الرؤيوية أو الكابوسية، أو سمها ماشئت، ليست بغريبة أو شاذة، عبر الأزمان، على حيوات عدد كبير من الملوك والأباطرة والأمراء، وحتى الرؤساء والقادة في زمننا هذا، وسبق أن وثق لنا التاريخ، ولازال، سير وحكايات ومرويات، حقيقية وأسطورية، لحقب ومحطات تاريخية مهمة، ارتسمت ملامحها وانبنت، على أحلام، و كوابيس، و شطحات خيال هائم لملك أو أمبرطور أو رئيس.

وجاء الموكب المهيب...
حضر القائد رفقة زوجته، صفية فركاش. والتقى الجمعان، وبعد طول استقبال وترحيب، انفرد الراعي بالرعية!.
استقر المقام، واستهل القائد المقال، بسرد تاريخي مقتضب لحركة الجهاد، وبعض من سيرة المجاهد محمد بن عبدالله البوسيفي، شهيد وبطل معركة المحروقة الشهيرة، وفي غمرة الحديث، وما تخلله من استيقافات، وتوضيحات تاريخية متبادلة بينه والمجتمعين، إذ بأحد حراس "الحلقة الأمنية الأولى" يقترب ويوشوش في أذن القائد، ويبلغه بأن السيدة صفية لملمت حراسها، وتركت المكان، وتبين لاحقا، أنها غادرت بحجة سوء استقبالها من طرف نسوة أولاد أبوسيف، اللائي اقتصر حضورهن على عدد ضئيل لا يذكر منهن، وبعض الأطفال، والصبايا الصغيرات دون سن البلوغ، وقد غادرت صفية، وحطت رحالها على "تبة جبل" يشرف على مثلث بوابة "البطمة - شركة سكريج"، الذي يربط مدينة مزدة بالشويرف والقريات جنوبا، ونسمة وبني وليد شرقا..في انتظار عودة القائد.

عندما علم القائد بالأمر، أدار على الفور، وبطريقته المعهودة، دفة الحديث، منطلقا به إلى عمق المسألة، طارحا على الحاضرين من شيوخ وأعيان القبيلة وعوامها، تمهيدا حول طبيعة العصر وانفتاحه، وضرورة التخلي عن بعض العادات والأعراف، والتحرر من إرث السنن المتشددة، في إشارة إلى سبب زعل صفية، الذي يتلخص في أن رفض نساء أولاد أبوسيف استقبالها، يعود لما ثوارثنه، صبية عن أم عن جدة، من التزام ب (سنة) أن لاينكشفن ولايسلمن على من هم غير المحارم، وإن كانوا أخ الزوج أو أبناء العم والخال البالغين، فما بالك بحضور محفل، يحرسه فصيل من الرجال الغرباء، المدججين بالسلاح والشوارب الكثيفة، يترصدون حتى شهقات انفاسهن؟!.

ولم يمض كثير وقت، وختم القائد حديثه لأولاد أبوسيف، شاكرا حسن وكرم ضيافتهم، وتوجه بآخر كلماته إلى كبير القبيلة الشيخ "النعاس" مناديا: إدعيلنا ياشيخ النعاس!. وببصيرة وتعقل الشيخ الحكيم أجابه، بعد ذكر الله والصلاة على نبيه الكريم ومزيج من الدعوات العامة، قائلا: "لي جيت بيه تمشي بيه"، وانفض المجلس، وغادر القائد إلى حيث لجأت زوجته، مصحوبا بخلاصة "دعوة" رجل قبيلة صالح، تختزل حقيقة، أن النهايات ميراث النوايا، وأن النية الحسنة تقود صاحبها، بالضرورة، إلى ما يرضى الله والناس والتاريخ، ولو بعد حين!. 

تعليقات