القائمة الرئيسية

الصفحات

أخر المنشورات [LastPost]

بشير زعبية يكتب عن رضوان أبوشويشة

بشير زعبية يكتب عن رضوان أبوشويشة

رضوان أبو شويشة ..


هو فاكهة المواسم الأربعة في مذاق الثقافة الليبية، وهو من سلالة مبدعين ما جاؤوا إلا لنسج البهاء، وصناعة البهجة، كتب الشعر والقصة والنص المسرحي، و«هرب من الرواية» كما وأعتبره الكاتب منصور أبو شناف، وكان كتب نصا روائيا في العام سبعين ثم حجبه، وقراءة رضوان هي أسهل الطرق لمعرفة معنى الرشاقة إذ يوصف بها النص، وحين تكون في خلوة وأنت أمام إحدى لوحاته، سيخال إليك للحظة أن خطوط التجريد تتحرك فتميل حينا، وتستقيم، ثم تتدور، فلن يعود التجريد تجريداً، وها أنت ترى سردا ًقصصيا على مساحة اللوحة، يستحضر إلى ذهنك شخصية رضوان، القاص الفنان الباحث، الذي كتب عليه «إغراق المفتاح الأندلسي بعد خمسمائة عام وعامين عجاف» كما يقول في قصة«موجة حب إلى غرناطة»، الشخصية التي قد تكتشف وهي في منتصف طريق ما، أنه ليس بالضرورة، أن يكون أسير خطاه، وعليه أن يخدعها ويربكها، كما قال لي مرة، ونحن نحاذي كورنيش طرابلس، إنه سيعكس خط سيرها، فكل الطرق أمامه معدّة لخطوه، هكذا هو، فحين يتّرى لك أنه منشدّا للشمال هناك، في رحلة البحث عن مفتاح غرناطة، لن تفاجأ بأن تراه منغمسا في البحث عن مفتاح آخر كأنما فقده جنوب الصحراء، وهاهو يخوض في مسالك الرمال والحجارة، يجوب كهوفها وتحط به الرحلة لحين أمام لوحات أكاكوس وهيبة جبل أدرار، إنه لا يرى جمادا مثلنا في وقفته تلك، إذ يتحول المشهد، كما يصوره في أحد نصوصه «كنت أكافأ بالفيروز الأخضر القدسي من محاجر (إنغي زوما)، شمال تيبستــي.. وفوق ذلك كنت أكافأ بدلك يجرينه لي بأيديهن بزيت المسك.. وجرة من عســل جرما… وكانت امرأتي رسامة من (التحنو) متقدة القلب.. بعينين زرقاوين، وشعر فاتح.. كاملة الجمال والجنون والفنون من صميم القلب.. رسمتني على قمة جبل أدرار، في أكاكوس».
رضوان أبوشويشة، هو من رواد الصحفيين الليبيين الذين انشغلوا بالكتابة عن تاريخ النقوش المنحوتة عل الصخور وجدران الكهوف المتناثرة في الصحراء الليبين، وهو الذي كان مغرما بـ«تطريق الحجر في مقلع الحجارة القديم الغائر في جبل سيدي رمضان (راقد الراقوبة) في الكدوة»، وهو أيضا من أبرز كتابنا الذي حملوا هم تاريخ طرابلس، المدينة التي لا تعرف إن كانت هي التي تحتضن رضوان، أو هو من يحتضنها، كتب عنها وعن أبوابها وباب بحرها الأقرب إليه، الذي يفضي إلى قلب المدينة القديم، حيث مرسم رضوان الذي تتراقص في فضائه الخطوط، وتتناغم الألوان وتتشكل الزوايا، هناك بيت رضوان فلا بيت يملكه، وهناك لا تعرف إن كان رضوان يرسم لوحة لطرابلسه، أم هو نفسه ومرسمه وريشته تفصيلا في لوحة إسمها طرابلس، إنه حارسها أيضا.
هكذا تراه وهو يجوب شوارع وأزقة المدينة، قبل أن يتركها وراءه ويخطو صوب بحرها، يتفحص كورنيشها، ويرنوا إلى الأفق، وكأنه يتذكر مفتاح غرناطة الذي أغرقه في هذا البحر يوما ما، ستقول لنفسك وأنت تراه يجلس هكذا أحيانا مفترشا الأرض، لو تمكّن من الناي الذي أحب تعلم العزف عليه في صباه، لكنت سمعته يعزف مقطوعة طرابلس أو غرناطة، أو الإثنتين يتناغمان معا، رضوان ابن الكدوة (العزيزية) عاشق طرابلس وحارس جمالها، هو حارس الحب أيضا، كتبت عنه مرّة وأنا أتأمل الصورة المرفقة بالإدراج« كأنما حارس الجمال يطل من خلف الباب متفقدا غفوة العاشقين، تعود في مهمته الروحية هذه أن يمشي على أطراف أصابعه كراقص باليه على مسرح البولشوى أو كمن يحاول أن يمشي على الماء، خوفا من أن يستيقظ العاشقون، سينسحب بقلب مطمئن مثلما أطل ، وكأنه ينفذ وصية آلهة الحب في زمن مضى ، هامسا في هواء المكان: ناموا أيها العشاق، فأنا قريب منكم».
ورضوان في الواقع قريب من الجميع، محبا لأصدقائه، كما يحبونه، ويتعاملون معه كأيقونة من أيقونات الثقافة والفن في ليبيا، إلى ذلك فإن رضوان دخل مبكرا بلاط صاحبة الجلالة، وكانت بداية معرفتي به كصحفي في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، حين كان مراسلا لوكالة الأنباء الليبية في إيرلندا، وكنت وقتها باشرت العمل بالوكالة، ثم تابعته باهتمام عبر نصوصه في جريدة الأسبوع الثقافي، قبل أن نلتقي وتتأسس بيننا الصداقة، وكلما عدت إلى طرابلس وتجولت كعادتي في شوارعها يلازمني إحساس بأن رضوان سيظهر فجأة من هذا الشارع، أو ذاك الزقاق، أو وهو يعبر الطريق باتجاه تلك المقهى، أو هوا جالسا هناك من منذ قليل، ولن يطول الإحساس لألتقيه، وإلا كيف أقنع نفسي بأنني في طرابلس الآن.. طرابلس التي أيضا لا تعرف إن كان هو الذي ذاب فيها، أم هي التي تذوب فيه، ولم تذيبه من قبل بلدان الشمال ومدنها التي جالها في شبابه، من ألمانيا إلى إسبانيا.، مرورا بالدنمارك وأيرلندا وبريطانيا.. يا لهذا الـ«رضوان»!

تعليقات

Electronic money exchangers listing