القائمة الرئيسية

الصفحات

أخر المنشورات [LastPost]

حكاية صورة يكتبها بشير زعبية

حكاية صورة يكتبها بشير زعبية

التقيته صيف العام 199م ، بمدخل مقر السفارة الليبية في القاهرة، تأملت وجهه لثوان، فقد تغيّر كثيرا، وبدا وكأنه قد شاخ مبكرا، بادلني النظر، إذ لم يكن يعرفني شخصيا، حييته مصافحا ومرحبا وبادلني المصافحة، أحسست وكأنه كان يبحث عن شيء فوجده فجأة، سألته عن حاله وماذا يفعل هنا ؟، فرد إنه جاء للعلاج، ولديه معاملة يريد أن يستفسر عنها من مسؤولي السفارة، استأذنت الاستعلامات، ورافقته إلى القائم بالأعمال أنذاك الأستاذ رمضان الشريمي، وقدمته له، وأبلغته بسبب زيارة الفنان خالد سعيد، الذي سارع بتقديم رسالة كان محتفظا بها في يده، شارحا أنها من طرف السيد عبدالعاطي العبيدي، تتعلق بتمكينه من علاج أسنانه على حساب الدولة.
ما إن قرأ السيد الشريمي الرسالة، وكان ما يزال واقفا، حتى بادره قائلا: مع إحترامنا للسيد عبدالعاطي، لكن هذه الرسالة غير كافية، فالموضوع يحتاج تفويضا من الخزانة، بتغطية نفقات العلاج، حرصت أن أرافقه وهو يغادر مقر السفارة بشيء من الأسى ظهر واضحا على وجهه، وإقترحت عليه أن نذهب سويا إلى مقر المركز الاعلامي، ومكتب وكالة الأنباء الليبية، حيث كنت أعمل هناك، وفي الطريق أخبرني بأنه جاء بموجب قرار إيفاد أتاح له الحصول على مبلغ 750 دولار، وحين أطلعت على الرسالة التي كان يحملها عرفت أنها رسالة أعطيت له كمجاملة، وأن ما قاله القائم بالأعمال صحيح من الناحية الإدارية، قلت له اسمع نصيحتي، إن هذا المبلغ لن يكفي على الإطلاق إذا ما فكرت أن تستغله للعلاج، وأعتقد أنهم منحوك رسالة مجاملة ليس إلا، ولو كانوا جادين لأرسلوا تفويضا بالخصوص، وهم يعلمون هذا الإجراء جيدا، لذا أقترح أن تستغل هذه الفرصة، وتقضي أسبوعا لبعض الراحة والاستجمام في القاهرة، وتنسى موضوع العلاج، حتى تعود وتحاول مرة أخرى الحصول على التفويض المطلوب.
أخذ الفنان الراحل بنصيحتي، وحجزت له غرفة في فندق أطلس الزمالك بشارع جامعة الدول العربية، مجاوراً لمقر مكتب الوكالة، دردشنا طويلا خلال فترة إقامته، وفضفض كثيرا، وتحسر وتحسرت معه على الحال الذي آل إليه، وهو النجم الذي سطع في سماء الفن الليبي منتصف الستينيات، وعرفه الجمهور جيداً وأحبه حين غنى (يا قمر علالي) وبعدها (طوالي مروح طوالي)، ثم باقي أغانيه التي جعلته يلقب بـ(عندليب ليبيا) ومنها أغنية (من يستغنى عليك انت ) وأغنية (أبعدي وانسيني) و(أني اللي ظلمت القلب) و(يا نجوم الليالي)... وغيرها.
لم أكن أعلم يوم التقينا أنه أقفل الـ50 عاما، فقد بان لي أنه أكبر من ذلك، إذ إختفى الكثير من شعر رأسه، وغزا الشيب ما تبقى منه، وفقد بعض أسنانه، زادها مسحة الحزن التي عكستها ملامح وجهه، خطر لي أن أعيد إليه شيئا من البهجة واستعادة ذاكرته الفنية، فاقترحت عليه أن أعرفه على أحد أصدقائي الصحفيين ليجري معه حواراً حول مسيرته الفنية، وأقنعته بأهمية ذلك، وجرى الحوار ونشر الصحفي الصديق، محمد سليمان الحوار ، وكان له صدى نفسيا إيجابيا، واضحا تجلى في انزياح بعض مظاهر الحزن عن وجهه، وفي حماسه وهو يتحدث ويسرد الحكايات ويفضفض.
أتذكر هنا أن الصحفي الذي أجرى الحوار، كان يتأمل هيئة الفنان خالد سعيد التي ربما رآها لا تتناسب مع المظهر النمطي للنجم في مصر، وتشاء الصدفة أن يكون معي ذلك الصحفي في مكتبي، وكان التلفزيون الليبي يبث أغنية قديمة للفنان خالد سعيد، فالتفت إلى الصحفي وقلت له وكأنني أقنعه بحقيقة نجوميته، هل تعرف من يكون هذا المطرب؟أجابني: لا طبعا، فقلت له هل تتذكر ذلك الفنان الليبي الذي أجريت معه الحوار، إنه هو، فلاحظ الاختلاف الكبير بين هيئتي الفنان.
حرصت على أن ألتقط له بعض الصور، ومنها الصورة المرفقة مع هذا الإدراج، قبل أن يغار القاهرة، ولم أكن أعلم أن تلك ربما كانت آخر صور له، فبعد سنتين ونيّف تقريبا من تلك الزيارة، علمت بخبر وفاته، فحزنت كغيري ممن عرفه وأحبه، وتضاعف الحزن حين علمت بالظرف الذي توفي فيه، وحيداً مهملاً، ولم يكن يطمح لغير علاج بسيط لا يكلف الكثير، وشيء من الوفاء يستحقه، ويسعده، وهو الذي أسعد الكثيرين لسنوات، وأطربهم، وأدخل البهجة إلى قلوبهم..

تعليقات