القائمة الرئيسية

الصفحات

أخر المنشورات [LastPost]

حكايات العروي..الدنيا أربعة حاجات (3)

حكايات العروي

حكايات العروي..الدنيا أربعة حاجات (3) 

تباشر صحيفة المنظار بنشر سلسلة (حكايات العروي) على حلقات، وهي مجموعة حكايات مقتبسة من الثراث التونسي ، قدمها للإذاعة التونسية الإذاعي والأديب والكاتب الصحفي التونسي عبد العزيز العروي بأسلوب مميز ، وتعيد صحيفة المنظار نشر هذه الحكايات لمتابعيها بتصرف، لما فيها ،من توظيف للتاريخ والاسطورة الشعبية بشكل محترف وساخر ، يعكس كثير من قيم وأبعاد الحياة الاجتماعية للأنسان ، فتمتزج في الحكايات الواقع بالأسطورة، والحقيقة بالخيال لتنتج كل حكاية من حكايات العروي حكمة خالدة تحمل قيم ومضامين أنسانية عالية ،يسردها العروي بشكل لايفقد معها طابعها الفني المميز الذي أنفرد به .

(الدنيا أربعة حاجات )

تقول الحكاية : 
أن تاجراً من التجّار الكبار في البلاد، معروف بأنه صاحب واجب، يعاون الناس المحتاجة،ويتصدق على الفقراء والمحتاجين،ويبادر بفعل الخير،ويساعد كل من يحتاج.
 علم التاجر ولده الوحيد أصول التجارة و المعاملات، وكان يصحبه في معظم صفقاته ورحلاته، ليتعلم التجارة على اصولها ويتعرف على أسرارها ،ويكون خير خلف لخير سلف.
دارت الايام ،وماحال يدوم على حاله، مرض التاجر مرضاً شديداً ومات. وكان لابد لولده أن يتولى المهمة ويخلف والده ، بعمله الصالح وتجارته النزيهة.
بعد سنين تزوج أبن التاجر بزوجة غاية في الجمال، وتغيرت حياة أبن التاجر راساً على عقب، فقد تعلق بزوجته ،ملبيا طلباتها باللهو والعبث ،وأهمل عمله وتجارته، ورافق أصحاب السوء، وكان يكثر من الحفلات والسهرات ، والعاب اللهو والقمار.
مع الأيام ومداومة أبن التاجر على هذا الحال ، حتى ضاعت تجارته وقلت رحلات قوافله،وفرط تدريجياً في رزق أبوه المرحوم ويوم بعد يوم ،أكتشف متاخراً بعد فوات الاوان، أنه خسر كل شيء ،واصبح مفلس لادرهم ولادينار، فتركته زوجته الجميلة وتنكرت له،وغادرت محملة بما تبقى لبيت والدها ،الذي وافقها على تركها زوجها وحيداً يواجه قدره التعيس.فقيراً مسكيناً ،يتسول طعامه في الطرقات،ويقضى نهاره وليله بلا بيت ولا مال.
تذكر أبن التاجر وهو على هذه الحال ،صديق والده القديم ،وطلب منه أن يساعده ليخرج من حاله العصيب ، وابدى استعداده أن يكون خادما ليل ونهار في متجر صاحب والده ، الذي وافق على ذلك إكراما لروح والده ،واسكنه دارة صغيرة قريبة من دكانه .
بعد شهور قليلة ، تحسنت أمور أبن التاجر ، وتبدلت أحواله ، فتغير هندامه ، وبدا يداوم في العمل باخلاص ليل نهار ،ويحرص على أرضاء صاحب والده ،فنال تقثه ورضاه،وثقة ورضاء الزبائن والتجار .
وفي يوم من الأيام قرر التاجر صاحب والده ، أن يرسله إلى الجنوب بقافلة من عشر رجال ليجلب التمر والدقلة،وأمرهم بأن يكون أبن صاحبه هو رئيس القافلة ،وعليهم  أن يسمعوا له ويطيعون.إنطلقت القافلة في فجر أحد الأيام، قاصدة الجنوب البعيد، وفي منتصف الطريق ،هبت عاصفة رملية شديدة، أنهكت الرجال والجمال،وضيعت الزاد والماء، وبعد صراع وصبر مع العاصفة، هدأت العاصفة،والتجأ أبن التاجر وجلس تحت ضل نخلة صادفوها،وطلب من الرجال أنتظاره ،وأنطلق وسط الصحراء يبحث لرجاله وجماله عن الزاد والماء.
بعد طريق شاق وصعب وطويل،وسط كثبان الرمال،وتحث  لهيب الشمس الحارقة ، لاحت لصاحبنا ، بئر مشيدة من بعيد، فوصلها زاحفا، وقد نال منه التعب ، وأشتد به العطش، زكاد أن يفارق الحياة.
بجانب البئر ،وجد صاحبنا شيخ كبير في السن واقفا يتوكا على عصاه ولحيته بيضاء طويلة، ومعه أبن السلطان الذي تاه عن الطريق في قلب الصحراء، وطلب منهما الشيخ الذي  عنده مفتاح البئر أنه لن يسمح لهما بالشرب من البئر إلا بعد إجابته على هذا السؤال من أربع فقرات : 
 شن هو خيار الطعام ؟ شن هو خيار الأصحاب ؟ شن هو خيار اللباس؟ شن هو خيار الزواج؟... 
أجاب أبن السلطان فقال : خيار الطعام اللحم و الخضروات و الغلال والفواكه،وخيار الأصحاب أصحاب الجو والسهريات و اللعب، وخياراللباس الحرير و الذهب ، وخيارالزواج بنات السلطان.
ضحك الشيخ العجوز، وقال لأبن السلطان : أخطأت ياولدي ،ويبدو أنك ما شفت من الدنيا شيء، ويبدو انه لافائدة من شرابك من البئر وأن موتك أفضل من حياتك.
التفت الرجل العجوز لصاحبنا أبن التاجر وقال له : و إنت يا ولدي جاوب ؟
قال أبن  التاجر متحمساً نمن واقع تجربته في الحياة  : خيار الطعام ما حضر، و خيار اللباس ما ستر، و خيار الأصحاب وقت الشدة ،و خيار الزواج قرد موالف و لا غزال شارد ..
قال الرجل العجوز : الله عليك هذا هو الجواب الصحيح، وأعطاه مفتاح البئر ،وسمح له بأن يشرب، حتى أرتوى ،وسأله من علمك هذا الجواب ؟
قال أبن التاجر للشيخ العجوز: أنا كنت عايش في خير، وبعد موت والدي التاجر المشهور بالحكمة والامانة ، تصرفت بشكل سيء في تركته ، بالسهر واللهو والتبذير ، حتى أفلست ،وبعد أن أفلست عرفت أن خيار الطعام ما حضر، وأي طعام موجود وحاضر ،كنت أكله ,احمد الله بعد أن عرفت الجوع .وكنت ألبس أحسن اللباس ، وبعد أن دارت بيا الدنيا ،عرفت أن أحسن اللباس ماستر العيوب ،دون تبذير وصرف بغير حكمة.
أما ألاصحاب والاصدقاء ،فلما كان عندي المال ، وأقيم الحفلات والسهرات ،كان عندي عدد كبير من الاصدقاء،وأنا كنت وسطهم مثل السلطان ، ولكن وقت الشدة ما لقيت حد منهم.
خير الازواج تعلمت أنني تزوجت زوجتي على جمالها ،ولكن بمجرد أن دارت الدنيا بي وتبدلت أحوالي تبدلت زوجتي وتركتني لحالي أواجه همومي وحيداً،وتنكرت لحبي لها وتعلقي بها ،وعادت لبيت والدها،لذلك عرفت إن الإنسان يأخذ قرد موالف وفي ، خير من غزال شارد وقت الشدة يمشي و إيخليه ..
قال الرجل العجوز لابن التاجر : الله الله عليك  عليك ، أنت تعلمت من مدرسة الدنيا ، و قال ولد التاجر للشيخ العجوز أرجوك أن تعطي لابن السلطان الماء ، فوافق الشيخ العجوز وشرب أبن السلطان وشكر ابن التاجر ورافقه ورجاله عند عودته للمدينة سالمين غانمين.
وعندما وصلوا للمدينة أكرم السلطان ابن التاجر وزوجه ابنته وتعلم ابن السلطان حكمة جديدة تقول :
 ( هالدنيا 4 حاجات : خيار الطعام ما حضر و خيار اللباس ما ستر و خيار الأصحاب وقت الشدة و خيار الزواج قرد موالف و لا عزال شارد.) 

حكايات سابقة

الحلقة الأولى : دار الكلب
الحلقة الثانية:الحطاب وعنقود العنب

تعليقات