القائمة الرئيسية

الصفحات

أخر المنشورات [LastPost]

الفخار لا يكسر بعضه

الفخار لا يكسر بعضه

بقلم : د. فريدة المصري

كثيرا ما يخترع الناس مقولات مريحة لهم و لأعصابهم، وليعطوا تفكيرهم إجازة ليستمتع برحلة استجمام على شاطئ السعادة، و تتناقل الأجيال هذه المقولات بكل ثقة و بكل فخر و اعتزاز، فكلما تحدث مشكلة على سبيل المثال نذكر مقولة (فخار يكسر بعضه)، و لو فكرنا قليلا أو أحيينا التفكير الناقد لاستخدامه في تفسير أو تأويل هذه المقولة الخالدة لتساءلنا : من هو الفخار ؟، الفخار هو المصنوع من الطين، و الإنسان أيضا مخلوق من طين، لكن الفخار المقصود في المقولة هو الأطراف المتصارعة على شيء ما، يتقاتلون من أجل الوصول إليه.
و في تقديرنا، أن الباقي في منأى عن هذا الصراع، و لن يتأذى منه، بل نتأمل بأن الأطراف المتصارعة ستُنهي بعضها البعض، لتخلو الساحة منهم، و يبقى الآخرون الذين هم خارج دائرتهم، لينعموا بالحياة المثالية الوردية، و يعيشوا في ثبات و نبات. الفخار لا يكسر بعضه، بل يكسر كل من في طريقه، يكسر الجميع، يكسر الإنسان، و الشجر، و الحيوان، و الحياة بأكملها، الفخار يكسرنا جميعا.
أذكر في ثمانينيات القرن المنصرم، عندما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عقوباتها على النظام السابق بحظر الطيران، الفخار لم يكسر بعضه، و إنما دفعت ليبيا والشعب الليبي ثمن هذا الحظر، الذي تغير بقدرة قادر ليصبح إسمه حصارا، و كان الثمن باهضا، هذا الثمن استنفع منه جزء صغير جدا من الفخار الذي كان يهتف (زيد تحدى زيد) و يدفع إيجار مطار في جزيرة جربة، و أسطول من الطائرات في خدمة رحلاتهم إلى أوروبا التي كانوا يتحدونها، ليجلبوا الهامبرجر و سندوتشات ( ( K F C ) لأطفالهم و التي كانوا يناضلون من أجل ألا تدخل أرض الوطن، الفخار لم يكن يفكر في الفخار الذي كان في طوابير الأسواق و الجمعيات، لأنه فخار لم يناضل من أجل تحدي الدول الاستعمارية، فخار ليس ثوريا، فالحياة للفخار الثوري المستمر، أما الشعب فهو فخار مصنوع من طين غير ثوري، وغير الثوري هذا هو كبش الفداء الذي لا يأكل الهامبرجر، و إنما هو الذي يطبخ الحمص و الفول يوم عاشوراء، و يوزع منه صدقات على الشيشباني و أطفال الحي، فهل بعد هذا مازلتم تصدقون مقولاتكم التي نحتتها عقولكم المستلقية على ضفاف نهر الراحة، و هل الفخار يكسر بعضه حقا .

تعليقات