القائمة الرئيسية

الصفحات

أخر المنشورات [LastPost]

محمود البوسيفي يكتب عن مفتاح العماري

محمود البوسيفي يكتب عن مفتاح العماري 

مفتاح

شاعر من سلالة الطين؛ نجح في تهريب جسده للمدينة فيما ظلت روحه ترتدي ثوب الفراشة حيناً، وغلالة الموج حيناً، وبوح الرمل في أغلب الأحيان. أدرك وهو يجوس شوارع طرابلس للمرة الأولى فتنة الغواية التي تطرحها أشجارُ النخيل وسهاد الشبابيك، وظلال الأرصفة. كان وهو يرحل في تفاصيل المدينة يتكئ على دفء الحكايات الممتدة في شرايين البوح.
لم يكن صياداً للبهجات بقدر انهمامه بحفر توكيد صوته الشعري، وسط عاصفة من رماد. اسمه مفتاح العماري، ومهنته الحزن. يقرأ قصائده فتموت خلايا تصب زيتها في قناديل توقد من حنين. يكتب قصائده فتنهض خلايا وتستيقظ مناديل تتنفس بلاداً من صغار يلهثون وراء الضنك. اسمه مفتاح؛ وكل ما في حوزته أقفال ومزاليج يتعثر بها، كلما رغب في كتابة حديقة أو رسم نهار من نهاوند وزغاريد.
مفتاح العماري شاعرٌ يعرف سطوة الكلمة وهي تعربد في سماء من غُبار. كلمة تضئ، ترسم خيطاً من موسيقا، تقود العابرين إلى الغناء. هذا المفتاح الذي لا يخدعك تجهمه الذي سرعان ما تكتشف وأنت تجالسه، أنه مجرد تجاعيد من ندى. يبتسم فتؤمن بحقيقة الأقحوان وهو يسري في يد واثقة وقلم جسور، ولرأس بلا أسوار.
يعرف هذا الرجل متى يبتسم ليمنحك وأنت على شفا حفرة من كآبة حقولاً من قمح، تمتد تحت غيمات بمذاق الأرانب، والخراف الصغيرة ترعى في سماء الله. هذا الرجل الذي يعذبه قلبه العاشق، قلبه المفتون، قلبه المسكون بالفرح. هذا الرجل الصارخ كفارس حقيقي في وجه البذاءة والبشاعة والقبح. يعرفُ ويعي يقينًا مدى بلاغة الأمل، يمتشقه سيفاً من كبرياء في وجه المرض. يقف كما يليق بالنبلاء في مواجهة أوجاع لا يردعها سوى الوقوف في وجهها، والانتصار عليها

تعليقات