أخر الأخبار

قراءة في رواية "ازاتسي" لمجاهد البوسيفي

قراءة في رواية "ازاتسي" لمجاهد البوسيفي

قراءة: سالم أبوظهير

مستندا على خبرته اللغوية التي اكتسبها من قدراته كصحفي محترف، وعلى تجربته في رواية “مملكة الريح” التي لم تنشر، قدم الكاتب الليبي مجاهد البوسيفي للمكتبة العربية روايته "ازاتسي"، التي صدرت عن منشورات ضفاف ببيروت. الرواية تقع في(223) صفحة من القطع المتوسط، صمم غلافها على القهوجي وإحتوي غلافها الخلفي، مقطعًا ورد في متن النص الروائي، يعكس أسلوب الكاتب، ويعطي فكرة سريعة للقاري عن حدث مهم في الرواية، وعن زمانها ومكانها في المجمل.

جغرافية المكان، والظروف التي حدتث في المنطقة العربية، زمن نشر الرواية ، وفر أهمية نسبية تزيد أو تنقص،عند نقد أو تقييم أو قراءة رواية البوسيفي، فمجريات الواقع المستمر حتى الان ،ربما كان إمتداد صحي وطبيعي لكثير من أحداث الرواية، والتي كان همها كشف وتعرية الإستبداد والفساد في فترة زمنية محددة، ومكان محدد أيضا .
بيد أن أهمية رواية آزاتسي لاتكمن فقط في أنها – وربما دون قصد من كاتبها- قدمت جواب منطقي لبعض أسباب التغيير الذي حصل في ليبيا منتصف فبراير 2011م ،ولكنها كسبت ميزة كونها أول عمل ابداعي يستقصي بأسلوب سردي ممتع ومشوق، تجربة ومعاناة الإنسان عموما، والإنسان الليبي بشكل خاص خلال فترة مهمة ومحددة من التاريخ المعاصر .
رواية البوسيفي هي أيضا أول رواية ليبيية بأمتياز ، سلطت الضوء على معاناة اللاجئين ، وعرضت بعض مشاكلهم وبعض ظروفهم النفسية والاجتماعية التي يواجهونوها، رواية أظهرت الحس الجمالي للإنسان في علاقاته بالانسان، ذلك الحس الرائع الذي يزيل ما سواه من تفرقة عرقية أو دينية اوطائفية أو ماشابه، حيث قدمت الرواية في جزء منها علاقات إنسانية متباينة، تنشأ بين أشخاص افغان وعرب وأكراد وأفارقة ، مختلفين من حيث الهوية واللغة الإنتماء،أشخاص هربوا من أوطانهم الاصلية ، نحو المجهول وأجبرتهم ظروف مختلفة، ليعيشوا ويتعايشوا معا وبشكل مؤقت في مكان واحد خصصته لهم الحكومة الهولندية تمهيدا لمنحهم جنسيتها فيما بعد.
حضر الشان الليبي في الرواية بشكل كبير ومميز ، كما حضر الشأن العراقي في الرواية بشكل لافت، حين تنقلك سطور الروايه في مساحات منها تجارب أصدقاء بطل الرواية الشاب الليبي سالم، ومن أصدقائه العراقيين: ابوهدى وهو عضو في الحزب الشيوعي العراقي، وأبو اثار وهو شيخ وقور فر من بلاده حينما غزت الكويت ، وبوجواد وهو فنان عراقي كبير ومؤسس السينماء والمسرح في بلاده ، وأستغل بطل الرواية علاقته بهؤلاء الشخوص لينقل عبرهم مايحدث في بلادهم العراق.
وللمكان في هذه الرواية أهمية و عند مؤلفها مجاهد البوسيفى، فسمي الرواية (آزاتسي) وفاء منه واعترافاً بجميل المكان عليه ،وربما قصد أن يزيد المكان (مكانة خاصة) ،فتبدا الأحداث من آزاتسي مركز اللجوء الإنساني في هولندا وعندها تنتهي ،وليجعل المتلقي يشعر بأهميتها كمكان يلجا اليه الانسان ، لانه يمنح بلا مقابل ،حياة إنسانية كريمة، دونما تسلط او قهر، وحتى دونما الحاجة ليغير الللاجي ثقافته أوتوابثه اودينه اوماشابه.
« فالمركز يقع في هولندا ولكنه في الواقع لازال ينتمي لثقافة العالم التالث بتعقيداتها وعقدها الخاصة » (ص105).
في رواية (آزاتسي) برع الكاتب في إستخدام تقنية الإسترجاع الفني (الفلاش باك) وتوظيفها لخدمة النص، معتمدا على قربه من المكان ومعايشته له، وعلى ذاكرته الزمنية الخصبة وماضيه القريب، مما جعله يتمكن بحرفنة مذهلة في جذب إهتمام القارئ ،ومساعدته ليتنقل بسلاسه ومرونة ويسر، بين واقعين مختلفين ،من حيث البعد الزمني والمكاني للأحداث التي تهتم الرواية بسردها ، كما أن إهتمام الكاتب بالوصف الدقيق لللأشخاص والمكان والبيئة ، سمحت للقارئ بالتعايش مع بعض شخوص الرواية دون معوقات ،بل ربما يتخيل القارئ نفسه أحيانا كأحد شخصياتها المهمة ،لاسيما إن كان ممن عاصر أحداثها الوقتية والمكانية ،او كان قريبا من كاتبها ،وبذلك نجح الكاتب في الوصول الى أسمى غاية من الغايات التي يسعى الروائي لتحقيقها للارتقاء بعمله الإبداعي .
تبدا السطور الاولي للروايه ،بوصول بطلها سالم إلي مطار امستردام قادما من طرابلس في الشمال الليبي، وتصف خوفه ورفاقه الجدد من ركوب القطار المتوجه بهم الي لايدن في الجنوب الهولندي يقول سالم: « كنا ثلاثة أكراد وعربي من العراق ,أربعة افغان بينهم إمرأة وافريقي من سيراليون .معظمنا لم يركب قطارا وحتى لم يره مباشرة في حياته ,لذلك لم نكف عن سؤال من حولنا وتبادل الخبرات الطارئة في مجال القطارات ومحطاته» (ص223). وتنتهي في سطورها الاخيرة بخروج سالم الى حياة جديده ملؤها الأمل والتفاؤل والطمأنينة حيث يقول: «وانسللت وسط الناس نحو الباب الرئيسي لأخرج للحياة من جديد»(ص223). 
في بداية الرواية نتعرف على (آزاتسي) ، كمكان مهم بدأت به الاحداث في الحاضر،تم نتعرف على طرابلس ،ولنكتشف أنها ايضا مكان ربما أكثر أهمية من الأزاتسي ذاتها التي لايتركها الكاتب، بل يجعل القاري يتردد عليها بين الفينة والاخرى حتى لايبتعد كثيرا عن تسلسل الاحدات، ولتحافظ الرواية على خيط الحبكة الذي يربط بين أجزائها . وبين بدايتها ونهايتها، وماحوته من أحداث فيها الخوف والامل لتنجح بشكل مميز، في أن توفر ملمحا هاما من التشويق، عند التنقل بين أمكنتها المختلفة وأزمنتها المتباعدة بشكل سلس وسهل.
في الرواية فضح مباشر لبعض مظاهر الفساد المالي والتسيب الإداري بين أوساط المسؤولين في مؤسسات الدولة الليبية  ، والتي كانت سائدة  زمن كتابتها فيكتشف القاري إختفاء عمارة سكنية من عدة ادوار كان مقرر بنائها وسط مشروع سكني كبير « العدد المتفق عليه في العقد كان خمسا وعشرين عمارة وماتم تنفيذه كان أربعة وعشرين . هناك عمارة كاملة  باثني عشر طابقا اختفت ولم ينتبه احد » (ص76)
كما تكشف الرواية عبر فصولها، بعض المفارقات الغريبة التي أستخدمها النظام القمعي، ليطيل فترة بقائة في السلطة، أساليب تثير استغراب المتلقي البعيد عن أجواء المكان والزمان ،بينما يكتفي من عاصر الأحداث بتذكر ماحدث ، ومن هذه الاحداث ان مخابرات الدولة وأجهزتها الامنية، ـكتشفت دخول اسرائيل إلى طرابلس، وبسرعة محسوبه بدأت تنفيذ خطة اخفاء العاصمة حتى لايراها الكاموندوس الاسرائيلى، لذلك « نزلت مجاميع من العمال منذ وقت مبكر من المساء الى الشوارع…….ينزلون اللافتات الضخمة زرقاء اللون المتبثة بجانب الطريق لتدل السائقين على الاتجاهات وأسماء الشوارع ويستبدلونها بأخرى رسمت عليها صورا لانجازات الثورة »(ص196)
وتستمر الرواية ، في عرض  مدي سطوة الحاكم وأجهزته الأمنية على الليبيين خلال فترة التمانينات والتسعينات ،فرغم أن بداية الرواية تشير الى تسامح هذا المستبد وحبه لشعبه ،باطلاقه للسجناء وتمزيقه لقوائم الممنوعين من السفر، يقول سالم :« في اليوم الموعود ظهر القائد وهو يقود بلدوزر تعربش عليه الحرس من كل جانب متوجها الى بوابة السجن ليطيح بها وسط الهتافات المجنونة من الجماهير التى احاطت المكان كالسيل » (ص 12) ، بينما يكتشف القاري أو يصدم في أحد فصول الرواية الاخيرة ،بدموية الحاكم السجان ،حيث خفتت الهتافات وأستعاد السجن القابع فيه “يحيى عنقود أحد الشخصيات المهمة في الرواية ” اسواره ،بل تحول الى ساحة اعدامات بالجملة و « انطلق الرصاص من كل ركن تساقطت الاجساد على بقايا الطعام وتناثرت الاطراف بين الاواني .راقب يحيى المشهد في زمنه المكثف الخاتر كالدم » (ص209).
ومن ساحة السجن تنقلنا الرواية لساحة ملعب الكرة لترصد حالات قتل أخرى لشباب متضاهرين يصف سالم المشهد قائلاً: « عندها وقف أحد الضباط وسط الجنود المرتمين على الارض مصدرا صرخة حادة اعقبها بأخرى عالية وانهمر الرصاص على المتظاهرين وتحول المكان لساحة من الفوضى اختلطت فيها أجساد الجمهور الطي كان يحاول الفرار بكل الطرق » (ص144)
ورغم ان أحداث الرواية في مجملها ،يغلب عليها الطابع السياسي ، الا ان الكاتب اعطى لبطل الرواية البدوي القادم من اطراف الصحراء، مساحات كافية ليعبرعن عواطفه الجياشة وعلاقاته العابرة مع المراءة، التي تحضر بشكل عادي من خلال رحاب في طرابلس وعالية في ازاتسي. وكأنه يستشرف المستقبل القريب لبلاده يختم البوسيفي روايته المثقلة بمشاهد فساد السلطة وقمعها وخوفه منها الى صباح مشمس جميل به فسحة كبيرة من الأمل وعالم أوسع وارحب لتبدا الحياة من جديد ,,,وختاما لابد من الاشارة الى ان هذه الوقفة القصيرة مع رواية ازاتسي لا تفي بحقها انها مجرد انطباعاتي كقارئ اعجبتني الرواية واحترم كثيرا كاتبها الذي منه تعلمت ابجديات الكتابة الصحفية .

سبق النشر في ميدل إيست أون لاين 2013/09/24

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -