القائمة الرئيسية

الصفحات

أخر المنشورات [LastPost]

الضاوي فَوْق مُرْتَفَعَات الرَّجْمَة

 الضاوي فَوْق مُرْتَفَعَات الرَّجْمَة

كتب : سالم أبوظهير 


الوقت متأخر جداً، وصاحب الحلاق لايزال غائباً ، والحلاق (بكسر الحاء وفتح اللام ) عبارة عن بيت صغير مربع الشكل، أعمدته خشبية وأسقفه من صفيح الزينقو وأرضيته من تراب، ومقسم من الداخل بقطع من القماش ، ومعروف في المنطقة الغربية من ليبيا بأسم البراكة.
ثلاثة أيام في أنتظاره ،ولم يرجع صاحب البراكة لبراكته ، هذه البراكة التي يلفها الظلام تماماً بعد غروب شمس كل يوم ، ومذ غاب صاحبها ، غاب ما ينشر الضوء في أركانها، ولليوم الثالث على التوالي مازالت الأمور تسير بشكل سىء جداً ، تتسلل أشعة يغالبها سواد أخر النهار الثالث تمسح جوانب البراكة ، والمغيب يزحف بسرعة.
قبل قليل توقف المطر عن الهطول كان الكلب يغالبه النعاس، متقرفصاً في ركن بعيد من البراكة الواسعة، ويهز أذنة المجدوعة بملل ليطرد عنه قطرات الماء المتسربة من فتحة في سقف براكة الزينقو ، التي غسلها الصديد والكلب يعاني من ملامستها لوبره الذي أحتلته البراغيت . فيما كانت القطة تموء بحزن ، مواء متقطع تشعر أنها تكاد تموت من الجوع والبرد.
صاحبة البراكة تغالب الام المخاض والولادة المتعسرة ، يغالبها الخوف من أن تموت هي ،أو يموت جنينها الذي تأخر وصوله للدنيا ،أو أن تموت هي وهو وصاحبها صاحب البراكة غائب عن براكته .
في الحلاق .. لا جيران ولاخلان ، لا صاحب ولا عدو لاقريب ولا بعيد يمكن ان تلمحه قريب من البراكة ، كما لا كائنات حية تتنفس خارج البراكة ، عدا دجاجات هزيلة ، وديك عجوز خرف يؤذن مع كل غروب (وفي باله) انه الفجر ،وغير بعيد من قن الدجاج جحشة شهباء فرطاسة ، لم يقتلها الجوع بعد ،لكن هذا أمر متوقع طالما مونتها منذ أيام ، كثير من النهيق مع قليل من الصبر ، وكثير من عيدان الحطب اليابسة القريبة من فرن التنور المكسور التي توهم نفسها أنها شيء يؤكل .
كما داخل البراكة صمت قاتل ، كان ظلام بداية الغروب يلفها من الخارج مع صفير ريح مزعج حاد، يحيط بأركانها وبسقفها المتهالك ، حتى يكاد (الزينقو) ان يطير ليكشف عورتها، ولكن يكشف عورتها أمام من ..؟،ومن يهتم بوجود البراكة مستورة أو عريانة ، باردة أو دافئة ؟؟ : فكل أصحاب البراريك في الحلاق وضعوا براريكهم فوق جمالهم وبغالهم وحميرهم ورحلوا نعم رحلوا منذ يومين صوب المليطانية البعيدة فوق مرتفعات الرجمة استعداداً لموسم الحرث .
صاحب البراكة سبقهم ، وكان من المفترض أن يعود ليحزم براكته ويلحق بجيرانه ، لكنه لأسباب لا تشغل بال أحد، ولاتهم أحد سوى زوجته الأربعينية التي تكابد ألام النفاس والولادة المتعسرة.
تأخر رب البراكة عن الرجوع ، وبدأت الام الطلق تمزق رحم الأربعينية التعيسة ، صرخاتها بدأت تهز أركان البراكة من الداخل ،ولامجيب لصرخاتها وألأمها سوى النهيق المتقطع، للحمارة الربشة في الخارج .. فجاءة ودون مقدمات توقفت الاهات والصرخات لهنيهة ،حتى مزق صمت البراكة صرخة الضاوي، وهو يعلن قدومه للدنيا ،وخروجه من رحم أمه، بعد أن كاد راسه المفلطح أن ينهي حياتها ، لحظات وأستفاقت من غيبوبتها ، غالبت ألام نفاسها ، وطفقت تبحث عن منجل الحصاد القريب منها، أغمضت عينها، وعضت لسانها من شدة الألم وقطعت الحبل السري لجنينها الذي أنهكها وكاد يقتلها .
لكنها عاشت ،وعاش صاحب الرأس المفلطح القريب في شكله الهندسي من المستطيل ، بعين نصف مفتوحة ،وفم مفتوح كله ، شرع الضاوي يبحث بطريقته عن تدي أمه ليرضع ويعيش ، دون أن يعلم أنه السبب في نكبتها منذ حملها به ،والسبب في عدم رحيلها مع قافلة البراريك ، خوفا من أن تداهمها الام الطلق وهم في الطريق ، فقرر والده ان يرحل مستكشفا المكان تم يعود لكن والده تأخر.
مافات مات والمهم هو أن يعيش هذا الكائن ذو الرأس المستطيل ، الذي قررت أمه تسميته الضاوي نكاية في الظلام الذي تغرق فيه لوحدها منذ رحيل زوجها ، لاشي يؤنس وحشتها الا صوت دجاجتها وديك عجوز يؤذن كل يوم بالمقلوب، وكلب وقطة وجحشة (في الشك تعيش).
نعم من مفارق الصدف أن تسميه أمه الضاوي نكاية في الضوء الذي تفتقده داخل بركاتها ، ونكاية في غياب الشموع والقناديل والفنار وفوق هذا كله نكاية في غياب صاحب البراكة الذي طال غيابه وحول وحشتها لظلام.
دبت الحياة في البراكة من جديد، وقامت صاحبتها لتتخلص من أثار ولادتها ، خرجت بالجوار وعلى عجل دفنت المخلفات ، والدم المتجلط الذي رافق خروج راس الضاوي من رحمها ، وهو يعلن قدومه للدنيا ، وبفأس نصلها مكسور حفرت على عجل ،لتخفي قرابيج الضاوي ، بعد أن أهالت على القرابيج التراب، لكن كلب البراكة جائع ومكار ، فحين دخلت أم الضاوي بعد أنهاء مهمتها ،خرج الكلب منها ،وفي أقل من دقيقة ، كان الكلب الجائع يعاود الحفر ليلتهم ويلغي قدر مأ ستطاع دماء ومخلفات الضاوي ، ويلحس بلسانه الطويل جانبي حنكه ، بعد أن تلذذ بوجبة عشاء فاخرة لم تكن في باله ولم يحلم بها لو كان الكلب يحلم.
تدبرت أم الضاوي أمورها على عجل ، وسخنت الماء على قدر مغنج نحاسي يغمره سواد( البياض ) ، وبجهد يستحق الإشادة به في البحت العميق، تمكنت بيدها الطويلة من خرط قعر الزير لتخرج منه كثير من الشحم والعرن وقليل قليل جداُ من القديد ، ومع بيضتين ، تقلي فوق الكانون وبقايا من خبزة التنور ، تغيرت نفسيتها وتعشت مع قطتها ، حتى شبعت من شكشوكة القديد ،وأرتوت بشراب لذيذ من الحليب الرائب ، وتحول الألم الى راحة نفسية مطلقة ، وغمرتها السعادة بحصولها على وجبة دسمة لذيذة مستحقة ، وعلى ولد رأسه كبير مستطيل تقلبه يمنة ويسرة والضاوي يلثم من تدييها، فيما لم تتوقف عن فحصه وتلمسه بيده للتأكد من أنه ليس منغوليا ، خاصة وانها تعي جيداً انها تجاوزت الأربعين ،وان الضاوي نام في رحمها وتعسرت ولادته ، لكنها لم تكدر صفوها وسعادتها بسبب راس مفلطح مستطيل ، فالراجل في نظر امه رجل دون الاهتمام بالشكل الهندسي للرأس الذي يحمله بين كتفيه
الكل حظي بعشاء لذيد وفخم، والضاوي نال كفايته من الرضاعة بنهم ونام ، وكذا القطةوالكلب والجحشة والديك والدجاجات . كلهم خلدوا للنوم العميق مع انتشار الدف في اركان البراكة بسبب البخور الذي ينبعث من الكانون واحتفالا بقدوم الضاوي بطل هذه القصة القصيرة وشخصيتها المحورية.
نامت صاحبة البراكة ، وهي تحلم بقدوم صاحبها في الصباح ، وغاب عنها ولم تكن تدري ،أن من كانت تنظرة وتمنت لو ساندها وقت ولادتها للضاوي قد مات ... نعم ففي نفس الساعة التي صرخ فيها الضاوي معلنا عن قدومه ضيف البراكة في هوى الأذياب ، صرخ والده متأثراً بضربة فأس هوت على رأسه بعد مشاجرة خاسرة حول رشادة الحد في المليطانية فوق مرتفعات الرجمة.

تعليقات

4 تعليقات
إرسال تعليق
  1. ههههههههههه فكرتتا في روايات عبير

    ردحذف
  2. اكتب قصة علي الجهاد الليبي في الجبل

    ردحذف
  3. ياكبابجي.

    ردحذف
  4. إله مطر عند اغريق

    ردحذف

إرسال تعليق