القائمة الرئيسية

الصفحات

أخر المنشورات [LastPost]

الدَّوْلَةُ وَهُوِيَّتُهَا عِنْدَ أَبْنِ خَلْدُونْ


الدَّوْلَةُ وَهُوِيَّتُهَا عِنْدَ أَبْنِ خَلْدُونْ 

 صحيفة المنظار: مجلة الفصول الأربعة

سالم ميلود أبوظهير

                                                         مدخل

تحاول هذه الورقة البحثية عرض الدولة و الهوية ، عند المؤرخ والفيلسوف العربي عبد الرحمن أبن خلدون ، وذلك من خلال كتابه ( مقدمة ابن خلدون: مقدمة كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر)[1].

بعد المقدمة الموجزة للتعريف بأبن خلدون وببعض مؤلفاته ،تطرق الجزء الأول من هذه الورقة لمفهوم الدولة والملك عند أبن خلدون ، وأستعرض أطوار الدولة وأحوالها وظروف قيامها وأسباب انهيارها عنده.. بينما تناول الجزء الثاني الهوية ومكوناتها عند مؤرخنا العربي صاحب المقدمة.

                    المقدمة

ولد عبد الله ابوزيد بن خلدون الحضرمي في تونس عام 1330م ،وعاش في المغرب فترة من حياته ،تم عاد لمسقط رأسه للدراسة بجامع الزيتونة، ثم أنتقل لمصر حتى وافته المنية هناك بعد مرض لم يمهله طويلاً، ودفن في القاهرة عام 1406م عن عمر يناهز الستة وسبعين عاماً ،  وما تركه الفيلسوف ومؤسس علم الاجتماع العلامة إبن خلدون، من منجز ثقافي وفلسفي وتاريخي ، يشكل علامة فارقة في الحضارة العربية والإسلامية والإنسانية بشكل عام ، وقد أشار لذلك الفيلسوف الاسكتلندي روبرت فلنت في كتابه الموسوعي الضخم " تاريخ فلسفة التاريخ" بقوله : ( ليس هناك لا في العالم الكلاسيكي ولا المسيحي الوسيط مثيلاً  لابن خلدون في فلسفة التاريخ ،وأنه كباحث نظري ليس له مثيل في أي عصر أو بلد ص471) [2].

 نشأ عبد الرحمن ابن خلدون في أسرة من أصول اندلسية ، فيما أشار ابن خلدون في أحد مؤلفاته أن اصوله تعود لحضرموت في اليمن، وكانت اسرته تتمتع قدر كبير من الجاه والنفود السياسي وتهتم بالعلم وتدريسه ،تدرج في سلم المعرفة بادئاً بحفظ القران الكريم والاحاديث النبوية الشريفة ، ثم تعمق في دراسة كتب التفسير ، والفقه المالكي، والأصول والتوحيد، وعلوم اللغة ، ودرس كتب الفلاسفة الذين سبقوه ، ودرس كذلك علوم المنطق والفلسفة والطبيعية والرياضيات، وشهد زمانه وعاصر انحطاط وافول وتدهور دول وامبراطوريات إسلامية ،وبروز دول أخرى ،ومن هذا الرصيد العملي والمعرفي الكبير استسقى نظرياته في الدولة والعمران البشري والاقتصاد وفلسفة التاريخ.

ومن المتفق عليه بين كثير من المفكرين العرب والغرب ،أن أبن خلدون ومنذ ما يقارب الخمسة قرون ، قد وضع الأسس الصحيحة لما يسمى علم الاجتماع وعلم العمران البشري ،وذلك قبل الإيطالي " فيكو" ،والبلجيكي "كتليه"، والفرنسي كونت .

وإلى جانب مؤلفه (مقدمة أبن خلدون)  التي تعد مرجعاً في الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع ،له عدد من المؤلفات المهمة منها (كتاب شفاء السّائل لتهذيب المسائل، وكتاب الخبر عن دولة التتر،وكتاب شرح البردة وهو كتاب في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وكتاب الحساب ، وكتاب رسالة في المنطق..وغيرها من المؤلفات).

                           مفهوم الدولة والملك عند ابن خلدون

تعد نظرية الدولة عند أبن خلدون ، من أشهر النظريات في فلسفة التاريخ، ونالت حظاً وفيراً من الاهتمام بها والتركيز عليها من جانبه ،وفي هذا السياق يؤكد الدكتور ساطع الحصري ان اﻟدوﻟﺔ ( من المواضيع اﻟتي اعتنى ابن ﺧﻠدون ﺑﺑﺣﺛﻬﺎ اﻋﺗﻧﺎءا ﻛﺑﻳرا، وﺧﺻـص لها ما ﻳﻘـرب ﻣن ﺛﻠث مقدمته ص71)[3] ، ورغم أهمية موضوع الدولة في مقدمة أبن خلدون ،إلا أنه لم يقدم لنا تعريفاً واحداً شاملاً ومحدداً لها فنجده ثارة يسميها ملك ،بمعنى أن الملك مرادف للدولة فيقول (إن اﻟﻌﻣران ﻛﻠﻪ من ﺑداوة وﺣضارة وﻣﻠك ﻟﻪ ﻋﻣر ﻣﺣﺳـوس ﻛﻣﺎ أن ﻟﻠﺷﺧص اﻟواﺣد ﻣن أﺷﺧﺎص المكونات عمراً ﻣﺣﺳوﺳاً: ص371)[4] . وكما يتضح من عبارة "وملك له عمر محسوس" انما قصد بالملك الدولة ، لإنه في باقي أجزاء متفرقة من المقدمة يقرر ابن خلدون ان لكل دولة عمر محدد كبني البشر وهذا ما سناتي على ذكره لاحقاً.

وفي جانب أخر يعرض لنا ابن خلدون في مقدمته ما يفهم منه أن  الدولة عنده  شيء، والملك شيء أخر مختلف تماما ، عنها وأن الدولة عنده تسبق في وجودها الملك ( إن اﻟدوﻟﺔ إنما ﻳﺣﺻﻝ لها الملك بالاستيلاء والغلب ص:167)[5]  ومرة أخرى وبشكل يكتنفه الغموض ،يستخدم ابن خلدون مفردة سلطان كمرادف يقصد به الدولة حين يتحدث عن(اﺳﺗﺣداث اﻟﺗﺟﺎرة واﻟﻔﻼﺣﺔ للسلطان ص281)[6]  لكنه يعود وفي نفس المقدمة ويقصل بشكل تام بين السلطان والدولة ،فيسمي الدولة كنظام سياسي ، فيما يشير للسلطان باسمه وحاشيته  فيقول (إن ثروة اﻟﺳﻠطﺎن وﺣﺎﺷﻳﺗﻪ إﻧﻣﺎ تكون في وسط اﻟدوﻟﺔ ص283)[7].

ومهما يكون من أمر أبن خلدون وتجاوزه ربما عمداً عن تحديد مفهوم دقيق للدولة ، يبقى له وعلى مر العصور السبق والتميز في تناوله لهذا المفهوم السياسي الذي نعرفه الان ،وله الريادة والسبق في التمعن فيه ودراسته وكشفه ،وذلك بشهادة الباحثين الغرب والعرب على حد سواء. أما رئيس الدولة بالمعنى المتعارف عليه الان، فيسميه ابن خلدون الملك أو صاحب الرئاسة أو السلطان، ويرى أنه لا يمكن لهذا الرئيس أن يصل للحكم إلا بدعم من قبيلته أو عشيرته وما سماه بالعصبية التي يرى أنها أساس الملك، ولا تتم الرئاسة ألا بها وفي ذلك يقرر المفكر الجابري أن (قوة الدولة عند أبن خلدون، من قوة العصبية ص 175)[8] ، وأن أبن خلدون ( ﻗد اﻋﺗمد ﻋﻠﻰ اﻟﻌﺻﺑﻳﺔ في ﺗﻔﺳﻳر ﺣوادث اﻟﺗﺎرﻳﺦ اﻹﺳﻼﻣﻲ ﻛﻠﻪ، ﻓﺎﻧﻪ ﻻ ﻳﺗﻧﺎوﻟﻬﺎ إﻻ ﻣن ﺟﺎﻧب واﺣد، واﻟﺟﺎﻧب اﻟذي ﻳهمه، ﻓﻲ اﻟدرﺟﺔ اﻷوﻟﻰ وﻫو ﻣﻔﻌوﻟﻬﺎ اﻟﺳﻳﺎﺳﻲ ص178) [9] .

 لكن وفي مفارقة أخرىن يرى أبن خلدون أن هذا الرئيس بعد وصوله للسلطة، لابد له لكي يستمر في الحكم من جدع أنوف من أوصلوه وساندوه ليحكم، وفي الغالب بحسب رايه فأن هؤلاء غالبيتهم من أفراد القبيلة والعشيرة الذين يحملون نفس اللقب، أو يقاسمونه نفس النسب. وأحسب أن هذا تناقض فلسفي غامض، ففي الوقت التي تكون فيه العصبية والعشيرة سبب رئيسي لوصول الحاكم للسلطة، فأن القضاء عليها بعد أن يستقيم الامر لهذا الحاكم يعد من أولوياته، حتى لايقا سمونه دوره وسطوته في الحكم ..!! ويؤكد أبن خلدون في سياق أخر أن الحاكم الظالم ، إذا طغى وتجبر على شعبه، فأن هذا التجبر لايتضرر منه الشعب فحسب ،بل ستكون نتائجه وخيمة على الدولة وأستقرارها بالكامل ، وبذلك يكون ظلم الحاكم سبباً رئيسياً من أسباب تدهور الدولة وسقوطها إذ يقول ( فأن الملك إذا كان قاهراً باطشاً بالعقوبات ،تفسد الدولة ويخرب السياج ص189)[10] .

                    دولة أبن خلدون أطوارها وأسباب زوالها

 الدولة عند عبد الرحمن ابن خلدون كائن بيولوجي حي، يولد وينمو ويحيا ويموت، شأنها شأن الإنسان والنبات والحيوان ، يقول ابن خلدون (ﻓﺎﻟﻌﻣران ﻛﻠﻪ ﻣن ﺑداوة وﺣﺿﺎرة وﻣﻠك وﺳوﻗﺔ ﻟﻪ ﻋﻣر ﻣﺣﺳوس ﻛﻣﺎ إن ﻟﻠﺷﺧص اﻟواﺣد ﻣـن أﺷﺧﺎص اﻟﻣﻛوﻧﺎت ﻋﻣرا ﻣﺣﺳوﺳﺎ ص 371)[11]  كما يرى ان للدولة عمر محدد حدده بمائة وعشرين عام، مقسمة إلى أربعة أجيال ، وكل جيل مدته أربعين عام. وبشكل يقترب من الفلسفة يقول (وإذا كان الهرم طبيعياً في الدولة كان حدوثه بمثابة حدوث الأمور الطبيعية، كما يحدث الهرم في المزاج الحيواني.والهرم من الأمراض المزمنة التي لا يمكن دواؤها ولا ارتفاعها، لما أنه طبيعي، والأمور الطبيعية لا تتبدل ص370)[12] لكن من جانب أخر يؤكد علي الوردي أن أخوان الصفا ،وهم جماعة من الفلاسفة ينتمون مذهبيا للشيعة الإسماعيلية، سبقوا أبن خلدون في التقرير بعمر الدولة واجيالها ونهايتها فيقول (أن من أفكار أخوان الصفا ،قولهم بأن الدولة لها عمر تنتهي بأنتهائه..فكل دولة لابد أن تميل إلى الهبوط بعد ارتفاعها انها تبدأ فيأول أمرها نشيطة قوبة،ثم تأخد بالانحطاط والنقصان شيئا فشيئا ،حيث يظهر على أهلها الشؤم والخذلان،ولابد لها في النهاية من حد تقف عنده ص:88)[13]

ويقرر أبن خلدون في مقدمته على أن الحضارات والدول بشكل خاص تتعاقب عليها أطوار ثلاثة وهي :

(1)        طور البداوة

وفيه  بحسب رائه يعيش الناس بلا قوانين مدنية تحكم العلاقات بينهم ، وشبه معيشة الناس فيها بمعيشة البدو في الصحارى أو البربر في الجبال ،أو التتار في السهول، تحكمهم العصبية، وصلة الارحام والاقارب والقبيلة.

(2)        طور التحضر

 وفيها تتأسس الدولة  بعد أن تتعرض للغزو أو الفتح وفيها يستقر الناس في المدن ،وفي هذا الطور يخضع الناس لسلطة الدولة المعنوية بشكل كامل ، وهذا ما يكفل للدولة  من أن تفرض سيطرتها وتحمي شعبها ،وتكون لدي الشعب في هذا الطور القدرة الكاملة للدفاع عن نفسه ضد أي عدوان خارجي.

(3)        طور التدهور

وفيه تنهار الدولة وتشيخ، وتصبح معرضة لللاندتار والانقراض  بسبب الترف الذي يؤدي بالدولة لللانهيار نتيجة أنغماس الناس في اللهو والتبذير .

ومن جانب أخر يرى أبن خلدون أن نفس العوامل التي تؤدي بالدولة للتحضر ، تؤدي بها الى التدهور ، فالعصبية هي التي تمكن الملك من الحكم ، وهي ذاتها تجعل الملك يسعى للتخلص من عصبته ممن اوصلوه لحكم ، ويستبدلهم بموالي وجنود  يخضعون له خضوعا تاما ،ثم ينقلبون عليه ويتخلصون منه.

الترف أيضا عند ابن خلدون سببا من أسباب ازدهار الدول، لكنه قد يكون سببا وعاملاً حاسماً  في ضعف الدولة وانهيارها ، وذلك نتيجة الضعف الداخلي الذي قد يعتريها في ذاتها،أو بسبب طمع الدول الأخرى  فيها فيقوموا بغزوها واحتلالها والسيطرة على مواردها.

 مفهوم الهوية ومقوماتها عند ابن خلدون

لغويا وببساطة مطلقة، فالهوية كمفردة هي من (الهو) ضمير الإشارة (هو) أو (هي) ، بمعنى هي تحديد للذات سواء بشكل فردي ،أو جمعي ،وهي فلسفيا وربما ببساطة أكثر  الهوية تعني حقيقة الشي التي تميزه عن غيره ، ورغم هذه البساطة في التعريف لغويا وفلسفيا ، لكن الهوية كمفهوم تعد من المفاهيم الحديثة شديدة التعقيد والهلامية ، كونها ترتبط بشكل عام بالوجود والذات والتراث الثقافي ،وايضا بالتعدد والتنوع والاختلاف والتغير عبر العصور وعبر الأمكنة أو المجتمعات ،وتكتسب الهوية أهميتها من ملازمتها للفعل الانساني،بأعتبار أنه لاهوية بدون فعل ،كما لافعل بدون هوية..

 ورغم انه من الصعوبة بمكان تطبيق نموذج ابن خلدون على الدولة الحديثة، وعلى الهوية بمعانياها المتداولة الان ، لكنى أحسب وبعد قراءة متعمقة لمقدمة أبن خلدون ، أن هذا العالم الفذ، والفيلسوف المبهر قد سبق عصره ،وسبق الفلاسفة والعلماء ،حين تناول مفهوم الهوية بشكل مختلف ،وأن لم يذكرها بأسمها المجرد، لكنه تناول بشكل صريح وواضح ما يعرف الان بالاستلاب او عدم التمسك بالهوية وامكانية تبديلها فيقول : (المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب، في شعاره وزِيِّه ونحلته، وسائر أحواله وعوائده ص : 123)[14].

في المقدمة تطرق أبن خلدون لعدة عوامل يرى انها اساسات لتشكيل هوية الفرد والجماعة ،وأهمها: (1) العامل الديني

(2) العامل الجغرافي

و(3) عامل العصبية .... ويبدو واضحاً لكل من تمعن في مقدمة أبن خلدون الشهيره ، مدى حرصه الشديد على مد جسور التلاقي بين هذه العناصر ليتشكل مفهوم الهوية عنده وذلك بربط الهوية بدعامة النظام القيمي (الدين) مع النظام الاجتماعي (العصبية ) وفي حيز مكاني محدد (الجغرافيا)، ونعرض فيما يلي بشي من الايجاز لهذه المقومات الثلاثة:

 (1)        العامل الديني

ركز أبن خلدون على الدين باعتباره ، أهم رافد  وأساس وعنصر تتشكل به الهوية من وجهة نظره، وربما ساعده في ذلك ثراء الخلفية الدينية عنده ، وهو الحافظ للقران الكريم منذ صباه ،والمطلع بعين فاحصة ،على تفاسيره واحكامه ،وأياته وماتحمله من قصص عن الأمم الغابرة ،إلى جانب ما أستلهمه من دراسته لللاحاديث النبوية الشريفة.

وللدين دوراً حيوياً مهماً عند ابن خلدون ، حتى أنه وضعه عنواناً لفصل من فصول مقدمته فالدين عنده هو (أصل الدول المنتشرة عظيمة المُلك، كما أن الدعوة الدينية تزيد الدولة قوة ص : 119)[15] و(إن الدول العامة الاستيلاء العظيمة الملك ،أصلها الدين ص : 123)[16].  من جانب أخر يرى أبن خلدون أن هوية الدولة  عند العرب خاصة لاتتشكل الا بصبغة دينية وفي هذا يقول ( إن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين ص : 100) [17].

ومن هنا نلمس مدى تعاظم أهمية العامل الديني، عند صاحب المقدمة ، وتركيزه علىالانتماء الديني في إنتاج وبناء فضاءات متعددة للهوية والمواطنة ،والتي تندرج كلها تحت عنوان واحد وهو الدين، باعتباره يشكل مرتكزا اساسيا في حياة المسلمين، وهو يرى ايضا ان تراجع الوازع الديني سيؤدي بتلك المجتمعات الى العداوة الى روابط ما قبل الاسلام، هذا الدين الذي يرى أن أبن خلدون أنه يتسع ويحمل مضامين ثقافات مختلفة ،وذات أصول تاريخية متعددة،وايضا جغرافيا مختلفة . ومن سياق اخر لعب العامل الديني، غير مرة دورا حاسماً ايضا في خلق الانسجام الاجتماعي، والثراء الثقافي، والامتزاج العرقي، والتسامح الديني، وذلك مرده لقوة النص الديني والارتباط بالنصوص المقدسة ، ذلك أن ابن خلدون من وجهة نظر هنداوي يرى أن ( الارتباط بالدين يؤدي بدخول جماعة معينة ،وفي ظروف مهيأة إلى التاريخ والتخلي عن الدين يدفع الجماعة الى خارج اسوار الحضارة والتاريخ ص :44)[18]


(2)        عامل العصبية

في مقدمة ابن خلدون ، من الصعب ان نجد صاحبها قد قدم تعريفا دقيقا لهذا المفهوم المتداخل مع عوامل ومفاهيم أخرى ،  لكنه أقر في اكثر من موضع ان النسب والقرابة والولاء التام لروابط الدم والقبيلة والعشيرة والطائفة واﻟﻌصـﺑﻳﺔ ضرورات عند تشكيل الدولة ،وسبب في سقوطها كما أسلفنا ،وهي ايضا ضرورات لتشكيل هوية الفرد ،او الجماعة، وان هذه الضرورات تحكم المجتمع وترتبه ،فيرى أن ( العصبية ﺿرورﻳﺔ ﻟﺗﺄﺳـﻳس اﻟدوﻟﺔ ﻏﻳرأن اﻟﺿرورة ﺗﻧﺣﺻر ﻓﻲ دور اﻟﺗﺄﺳﻳس واﻟﺗﻣﻬﻳد ص:343)[19]  و يرى أن القبائل الضعيفة تقدم الولاء للقبيلة الأكثرعصبية و أقواها من أجل حمايتها والاستنصار بها.

(3)        العامل الجغرافي

تتضح مكانة الجغرافيا ضمن منظومة الهوية التي ينتمي إليها الإنسان و، تتحول إلى شيء مقدس بشكل مادي ومعنوي ، وتشكل المعنى الجوهري للإنسان سواء كان فرداً أو جماعة أو مجتمعاً ..في هذا الاطار حدد ابن خلدون هويات المجتمع الانساني وفقا للفضاء الجغرافي وللمكان الذي يعيش فيه الانسان، وتكونت بذلك الشخصية البدوية عنده ، واسهب وتعمق في سبر اغوارها وكشف شخصيتها وطرق معاملاتها مع الاخر، معتمداً بشكل كبير على التضاريس والمناخ .

وقرر ابن خلدون في مقدمته ان شخصية الانسان وهويته الذي يعيش في اعماق  الصحراء او في اعالي الجبال ، تختلف بشكل كبير جداً عن فرد من بني جنسه يعيش على شواطي البحار ويستوطن المدن قرب الانهار .وبمعنى أخر أورد ابن خلدون في مقدمته أن الفروق بين الطباع والهيئات تصنعها الجغرافيا، لذلك اثيرت وعى مدى كبير وطويل جدلية البدوي والحضري والعربي والاعجمي والبربري التي اتارها ابن خلدون جدلاً كبير وواسع بين النقاد والمفكرين العرب والاجانب، رغم ان  الفضاء  الجغرافي ، يضيق أحيانا فيفصل بين الفضاء الاسلامي الحضاري الذي يشمل الاقليات غير الناطقة باللغة العربية وواقعة داخل حدود البلدان العربية اليوم، كالأمازيغ والأكراد، والطوارق ،والتبو وتركمان وفرس وزنوج وغيرهم لكنه يتسع في أحيان أخرى ويندمج اقليميا فيرتبط كل هؤلاء مع العرب برباط الدين والثقافة والجغرافيا والتاريخ، وخصوصا مع الشعوب الواقعة بمحاداة أو قريبة من الوطن العربي جغرافيا.

حدد أبن خلدون العلاقة بين الانسان من جهة والبئية الجغرافية من جهة أخرى ،وذلك مردة للقناعة المطلقة في أن البيئة الجغرافية بمختلف عناصرها تؤثر في الانسان وتؤثر على تشكيل هويته ،وكذا تحدد نمط سلوكه وحياته، ونجده يقرر بشكل صريح علاقة الانسان بوتصرفاته ومزاجه بالمناخ والتظاريس فيقول :(رأينا من خلق السودان على العموم الخفة والطيش وكثرة الطرب ، فتجدهم مولعين بالرقص على كل توقيع موصوفين  بالحمق في كل قطر ص : 155)[20]

الخاتمة

يمكن تلخيص ماورد في هذه الورقة من أن المؤرخ والفيلسوف وعالم الاجتماع العربي عبد الرحمن ابن خلدون هو المؤسس لعلم الاجتماع وهو من اواءل ماقرر بما يعرف فلسفة التاريخ ساعدته ظروف عيشه في بئية تتمتع بالجاه والنفوذ والسلطان وتهتم بالعلم أن يحفظ القران في صباه ويدرس الاحاديث النبوية الشريفة لتكون  مررجعا له وهو يكتب مقدمته الشهيرة .

وان الدولة عند ابن خلدون نتشبه على حد كبير الكائن البيولوجي فهي تحيا وتنمو وتموت وخلاا هذه الدورة الحياتية  تمر بمراحل حياة الكائن الحي من طفولة وشباب وكهولة ولها عمر محدد بأربعة أجيال كل جيل اربعين عام وبذلك فان عمر الدولة عند ابن خلدون لايتجاوز 120 عام.

ويرى صاحب المقدمة بعض من أسباب تطور الدول وتقدمها وازدهارها وهي ذاتها السبب في تدهورها وانحدارها ومن هذه العوامل  الترف والغنى والعصبية وظلم السلطان وانفراده بالسلطة.

أهم مقومات الهوية عند ابن خلدون العصبية والعامل الديني والعامل الجغرافي وبينما لم يشر ابن خلدون  لمفهوم  الهوية بشكلها الصريح المعروفة به الان، لكنه أشار في اكثر من مرة لما يعرف بالاستلاب الثقافي للشعوب ومايؤدي الى الانسلاخ عن الهوية الاصلية للشعوب .

لابد من التذكير انه من الصعب  بمكان الإحاطة بشكل  واف بكثير من النقاط المهمة التي اثارها ابن خلدون في مقدمته التي نالت حظا وافراً من الاهتمام.

الهوامش



[1] أبن خلدون عبد الرحمن 2007: مقدمة العلامة إبن خلدون المسمى ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الاكبر، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان،
[2] R. Flint,(2010) History of philosophy of history, The British Library,London
[3] اﻟﺣﺻري، ﺳﺎطﻊ (1968)، دارﺳﺎت ﻋن ﻣﻘدﻣﺔ اﺑن ﺧﻠدون،الطيعة الثالثة ، ﺑﻳروت، لبنان
[4] أبن خلدون عبد الرحمن(2007)، مقدمة العلامة إبن خلدون المسمى ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الاكبر، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان،
[5] المرجع السابق ص 167
[6] المرجع السابق ص281
[7] المرجع السابق ص 283
[8] الجابري ، محمدعابد (1971) ، اﻟﻌﺻﺑﻳﺔ واﻟدوﻟﺔ، دار اﻟﺛﻘﺎﻓﺔ، اﻟدار اﻟﺑﻳﺿﺎء، النغرب
[9] المرجع السابق ص178
[10] أبن خلدون عبد الرحمن(2007)، مقدمة العلامة إبن خلدون المسمى ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الاكبر، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان،
[11] المرجع السابق ص371
[12] المرجع السابق ص 370
[13] الوردي علي (2006) ابن خلدون وإخوان الصفا، مجلة رحاب المعرفة ،السنة التاسعة،العدد ( 51)يوليو 2006تونس
[14] أبن خلدون عبد الرحمن(2007)، مقدمة العلامة إبن خلدون المسمى ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الاكبر، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان،
[15] المرجع السابق ص 129
[16] المرجع السابق ص 129
[17] المرجع السابق ص100
[18] هنداوي ،حسين (1996)،التاريخ مابين أبن خلدون وهيغل ،الطبعة الأولى ،دار الساقي ،بيروت،لبنان
[19] أبن خلدون عبد الرحمن(2007)، مقدمة العلامة إبن خلدون المسمى ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الاكبر، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان،
[20] أبن خلدون عبد الرحمن(2007)، مقدمة العلامة إبن خلدون المسمى ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الاكبر، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان.

المراجع

  • أبن خلدون عبد الرحمن(2007)، مقدمة العلامة إبن خلدون المسمى ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الاكبر، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان.
  • اﻟﺣﺻري، ﺳﺎطﻊ (1968)، دارﺳﺎت ﻋن ﻣﻘدﻣﺔ اﺑن ﺧﻠدون،الطيعة الثالثة ، ﺑﻳروت، لبنان.
  • الجابري ، محمدعابد (1971) ، اﻟﻌﺻﺑﻳﺔ واﻟدوﻟﺔ، دار اﻟﺛﻘﺎﻓﺔ، اﻟدار اﻟﺑﻳﺿﺎء، المغرب.
  • الوردي علي (2006) ابن خلدون وإخوان الصفا، مجلة رحاب المعرفة ،السنة التاسعة،العدد ( 51)يوليو 2006تونس.
  • هنداوي ،حسين (1996)،التاريخ مابين أبن خلدون وهيغل ،الطبعة الأولى ،دار الساقي ،بيروت،لبنان
R Flint,(2010) History of philosophy of history, The British Library,London


تعليقات