القائمة الرئيسية

الصفحات

أخر المنشورات [LastPost]

الدوكالي (قصة قصيرة)

 الدوكالي (قصة قصيرة)

بقلم :سالم أبوظهير

صحيفة المنظار: موقع ليبيا المستقبل 

رنت في أذنه صافرة الدوكالي الواقف تماماً تحت الجسر الحديدي المقابل لعمارات حي الاكواخ، ولا يعرف حتى الان كيف سمع صافرته قبل أن يراه، لكنه بعد ان قطع التقاطع بسرعة وهو قادما من طريق معمل البيبسي متوجها للفلاح سمعها، وظهر الدوكالى امامه بشكل مفاجئ حتى كاد أن يدهسه، وكأنه سقط من سقف الجسر ليشير اليه بعصبية
- إيمينك وهات اوراقيك
العريف الدوكالي أو (البودري) كما يسميه الكثير من مرتادي ذلك الطريق، ربما بسبب شدة بياض بشرته وغزارة النمش المحبب على وجهه، ليس مجرد شرطي مرور، أنه علامة دالة في طرابلس فيحدث مثلا ان يتفق اتنان على ان يلتقيا على عجل:
- خلاص نتلاقوا وين ماواقف البودري.
- متفقين سلامات.
وبذلك يكون البودري قد وفر وقت، واختصر مسافات، وحل مشكلة تسمية الشوارع, والبودري أيضا أداة لقياس الزمن فلو اختلف أثنان وتاخر احدهم عن موعد، يكون للبودري الكلمة الفصل
- البودري مهناش لما مريت من غادي.
وهذا معناه اما ان الوقت يشير لما بعد الساعة الثالثة ظهراً، وهو وقت انتهاء الدوام، أو يشير لمنتصف النهار وما بعده بساعة، وقتها يكون البودري في قهوة امانة العدل المواجهة للجسر الحديدي يتناول نصه المفروم مع شيشة البيتري.
الدوكالي البودري شاب في بداية الثلاثينات ليبي أصلي وولد بلاد، معروف بقيافته ونظافته ولا تنقصه الوسامة، رغم سقوط حزء من سنه الامامية، واسوداد خافت أصاب ما تبقى منها، منعته من الابتسام بفم مفتوح، فلا تعرف تحديداً ان كان مبتسماً او مكشراً، ومعروف عند من يعرفه باحترامه لنفسه ولمهنته، فهو يغض البصر وخجول لا يطيل النظر في السيارات التي بها عائلات، كما انه قليلاً ما يشير لسيارة تقودها سيدة بالتوقف، إلا أذا كان الموقف عصيبا ولابد مما ليس منه بد.
الدوكالي كان على عكس كثير من زملائه، لا يتساهل مع أصحاب السيارات الفارهة العالية،الكريسيدا والمكسيما والقولف، ولا مع السيارات المستوردة فهو بشهادة زملائه في قسم مرور بوسليم، وباقي اقسام مرور طرابلس، خبير في التعرف على السيارات (المنقزة) التي دخلت البلاد بشكل مخالف ليتهرب أصحابها من دفع الجمارك، بينما يتساهل جدا مع أصحاب (العكاريات) البيجو والداتسون والتايوتا، وهو صديق أصحاب الافيكوات والشاحنات معظمهم يشيرون اليه بالتحية مع (بيب..بيب) سريعة ومتلاحقة.
قبل أن يصل الدوكالي جسر طريق المطار الحديدي، في السابعة صباحا من كل يوم، يكون قد مر على مركز مرور بوسليم، وقع بالحضور وتوجه مشيا صوب الجسر، خطوات قليلة حتى قبل ان يصل لبداية طريق معمل البيبسي يكون باب اول سيارة تمر مفتوح يحييه سائقها بصباح الخير ويدعوه بفرح ليشرفه بتوصيله للجسر.. دقائق قليلة جدا ويصل الدوكالي مكان عمله ليبدأ مباشرة يومه الطويل بتحريك يديه والنفخ في صفارته المعدنية البيضاء.
المكان الذي يقف فيه الدوكالي منذ سنوات، استراتيجي وهام واينما وقف تحت هذا الجسر الذي يحميه من وهج الشمس ومن المطر يمارس عمله بمحبة واتقان، تألف مع المكان وصادقه، وأضفت حساسية الجسر واهميته خطورة وجدية، على عمل الدوكالي، وجعلته دائم الترقب والحذر ومهتما بقيافته وهندامه ومحافظا عليهما، فقد يمر من هذا الطريق ضباط احرار، أو ربما يمر معمر القذافي بذات نفسه، فعلى بعد أمتار قليلة من الجسر توجد معسكرات ومقرات أجهزة امنية، وملاصقا له تقريبا مقر مديرية الامن وربما مقرات امنية أخرى، عن شماله باب العزيزية ومركز المدينة، وجنوبا الطريق المؤدية للمطار وترهونة وقصر بن غشير والجبل وسبها، وشرقي الجسر الاحياء المكتظة بالسكان من بوسليم والقاسي والشرقية، وفي الغرب منطقة الفلاح بمصانعها وورشها ومعسكراتها وأجهزتها الأمنية ومكاتبها وحانوتها العسكري، وأحيائها المجاورة كالرياضية وقدح والدريبي ومعمل الجبس.
يبدا الدوكالي يومه بصفارة وقلم وجهاز لاسلكي، ودفتر مخالفات سمين، وينتهي برزمة مهمة من رخص قيادة وكتيبات محجوزة وعلى أصحابها التوجه لشباك المخالفات لتسديدها في نفس اليوم أو اليوم التالي إذا كانت المخالفة بسيطة، أو الانتظار أيام وأيام إذا كانت غير ذلك، ولإنه مواظب في عمله، لا يتغيب ولا يتأخر إلا لظروف طارئة، نال الدوكالي احترام زملائه وتقدير رؤسائه، ووصلت للمركز شهادات شكر وتقدير من جهات عامة مهمة في الدولة، فتعود الدوكالي على سماع كلمات الاطراء من رئيس مركز المرور، فلا يمر أسبوع أو أقل حتى يستدعيه ليشكره ويعلمه بأنه تلقى من فلان او من جهة ما رسالة شكر وتقدير بأسمة لما يبذله، لكن الدوكالي وأن ابتسم في كل مرة بفمه المغلق لكنه لم يكن يكترث، ولا يهتم بأختام الشكر واوراق التكريم، فهو يخشى أن يودع الثلاثين بلا بيت ولا سيارة، ويستمر يفكر كما في كل ليلة، ويتخيل شكل زوجته ومن ستكون، ومن سترضى بالزواج منه، وهو قد تأخر في تعليمه جداً، وترك المدرسة في وقت مبكر.. ومن التي ستشاركه غرفته الكبيرة التي سمتها امه دار الدوكالي منذ أسبوع ولادته، لتتحول داره الى بيت كبير ببيت والده الصغير، فلن يتحقق ما يحلم به إلآ إذا حدثت معجزة تضرب مرتبه في مائة ليستلمه في اخر كل شهر!!!!
- وين.. وين.. وين ماشي ومش حاسب الناس؟؟.. تي كيف معقوله هكي.. تقص التقاطع لا يمين لا يسار!!!
قال له الدوكالي وهو يدور على سيارته مرة ومرات، ويتفحص كتيبها ورخصته..
- هاك شد..
بسرعة حرر له المخالفة، وحجز منه الرخصة والكتيب... وقبل ان يجتاز بسيارته ظل الجسر سمع الدوكالي يقول له:
- دورع الجزيرة وبرا خلصها توا وتعال خود اوراقيك.
فكرة ممتازة نفذها فوراً... دقائق وكان امام مركز مرور بوسليم.. يسأل عن شباك المخالفات وبصعوبة سلم ورقة المخالفة وسأل شرطي الخزينة:
- قداش قيمة المخالفة يا قندي؟
- ما نعرفش شنو هيا المخالفة ليش خالفوك؟
- ما نعرفش هوينها مكتوبة اقراها يا فندي
- الخط مش واضح بكل
- دقيقة ياخونا.. قال له شرطي الخزينة وهو يقف ويتجه لزملائه حاولوا قراءة المخالفة المكتوبة ليحددوا قيمتها ولكنهم فشلوا…
- أسفين ياخونا برا ارجع للي خالفك يقرأها معرفناش نقروها.
بسرعة البرق وبعد ان وصل للتقاطع لم يقطع الطريق حتى سمع صفارة الدوكالي ترن ويده بقفازها الأبيض تشير اليه من بعيد هيا قص وتعال…
- شكراً بارك الله فيك
- ما فيش مشكلة مرة تانية انتبه. خلصت هات المخالفة خلى نشوفلك اوراقيك..
- لا ماخلصتش والله… تبي الحق ماعرفوش شنو المخالفة!!!
- شنو.. هاتها.
امسك بورقة المخالفة.. حملق.. ركز فيها قربها من عيونه… بعدها شوية.. مافيش فائدة فجاءة مزقها بعصبية.... لم يعرف الدوكالي نوع المخافة التي كتبها بقلمه .. هرش براسه وأخيراً قال له :
- هاك اوراقيك..( ودرق وجهك )!!!!

تعليقات