القائمة الرئيسية

الصفحات

أخر المنشورات [LastPost]

فِي ذِكْرَى عَاشِقٌ الوَطَن عَبْداللَّه القويري


 فِي ذِكْرَى عَاشِقٌ الوَطَن عَبْداللَّه القويري 


بقلم الكاتب الليبي:إبراهيم حميدان

في مثل هذا اليوم ،رحل الاديب والمفكر الليبي عبدالله القويري، أحد أبرز الأدباء الذين عرفتهم الحركة الثقافية في ليبيا، منذ أواخر عام 1957 م،عقب عودته من مصر، وحتى أوائل التسعينات (1930-1992) ٠

وفي ذلك الشهر الذي توفي فيه المرحوم القويري في ( يناير 1992) صدر عدد خاص من مجلة الفصول الأربعة حمل عنوان ( عاشق الوطن ) ، تضمن لوحة للكاتب الراحل بإمضاء الفنان المصري محمد رضا لذي كان مخرجا للمجلة ،كما تضمن كتابات عن الكاتب الراحل ، إضافة إلى إعادة نشر بعض النصوص الأخرى التي سبق نشرها للأديب عبدالله القويري الذي كنت في منتصف السبعينات اتابع ماينشره على صفحات جريدة الأسبوع الثقافي ،تلك الدورية الثقافية الرائدة التي تم اجهاضها من قبل السلطة أواخر السبعينات،

وفي تلك الصحيفة نشرت أولى محاولاتي في كتابة القصة تحت رعاية الاستاذ القويري، الذي كان يعمل فيها مشرفا على صفحة الكتابات الجديدة ،وكان يبدي ملاحظاته مشجعا وناصحا ومحفزا، كنت ابعث بمحاولاتي عبر البريد ، وفي مرحلة لاحقة تعرفت عليه، إذ كنت التقيه في شوارع طرابلس يسير بقامته السامقة ومعطفه الطويل ، وكنت أراقبه من بعيد ،واتهيب الحديث معه رغم رغبتي في ذلك ، وذات مساء تشجعت واقتربت منه ، صافحته ،وقلت له إنني اكتب القصة ،وسبق لي أن نشرت بعض نصوصي في صفحة الكتابات الجديدة التي يشرف عليها ،استغرب استمراريتي في الكتابة ،وقال لي أن الكثيرين توقفوا عن النشر ، ربما كان يلمح ، إلى ماجرى عقب اغلاق الصحيفة ،واعتقال أبرز كتابها الشباب ، دعاني إلى زيارته في شقته في شارع النصر ، وصرت أزوره بين الحين والآخر ، وحين أصادفه يسير في شوارع مدينة طرابلس الرئيسية ،مثل شارع الاستقلال ،اوشارع النصر ،كنت انضم إليه ،واسير إلى جانبه ،احادثه وأنهل من علمه وثفافته، يملأني احساس بالخيلاء وانا أرافق هذا الكاتب الكبير ،واشعر أن جميع الذين يسيرون في الشارع يحسدونني ،ويتساءلون من هذا الشاب الي يسير إلى جانب الاديب الكبير عبدالله القويري؟.

أحببت عبدالله القويري كاتبا وانسانا ، احببت زهده وتعففه واستقامته الأخلاقية ،أحببت كتاباته التي تعبق بحب الوطن والانتماء إليه، و تنضح بالمعاناة ، فقد كان يعيش غربة في وطنه ، غادر مصر التي ولد بها وعاش فيها مع اسرته ضمن الأسر الليبية التي هاجرت إلى مصر هربا من الاحتلال الايطالي ، وعقب تخرجه من الجامعة ،عاد إلى وطنه ليبيا مع اسرته، معتقدا بأنه طوى صفحة الغربة إلى الأبد ،واذا به يجد غربة أقسى وأشد في انتظاره في وطنه ،وهو مادفعه أواخر الستينات إلى أن بحزم حقائبه ويغادر إلى تونس ليعيش بها عدة سنوات ، حتى انقلاب سبتمبر ، عاد بعدها إلى البلاد دون أن يتورط في مديح العسكر ،كما فعل البعض ،وظل محافظا على شرف الكلمة ،وكان عنوانا للكاتب المنتمي بعمق لوطنه ليبيا ، ودفع الثمن في سنة 1973 عقب خطاب زوارة اذ تم اعتقاله وسجنه مع بقية الكتاب والمناضلين الذين سجنوا وقتها .

ولقد كان لتجربة السجن أثرها على كتابات وشخصية عبدالله القويري خلال السنوات التالية لخروجه من السجن وحتى رحيله ،إذ ظل مستريبا ، متحفظا ،متوجسا ممن حوله خاصة الذين لا يعرفهم ،وانعكس الأمر على كتاباته ،وخاصة الفكرية منها إذ راحت تتسم بالتجريد والايماء والتلميح عوضا عن التصريح ،هربا من الرقابة ،وماقد ينجم عنها - يقول في مقالة بعنوان ( هل التفكير عادة سرية؟ ) : "هناك حساسية تجاه كل رأي ، هذه حقيقة لايستطيع أن ينكرها أحد ،بل يمكننا أن نلاحظ الكثيرين الذين لاهم لهم ،الا البحث عما يمكن أن يثيروا به المجتمع ضد هذا الرأي أو ذاك ،غير باحثين عما يكون في تلك الآراء من قيمة ،ومايمكن أن تقدمه للوطن من فائدة ووضوح واستنارة ،،لقد تمكن منا التوجس ،حتى أصبحنا نكره كل رأي مهما كان هدفه ، ومهما كان دافعه " .

كتب عبد الله القويري القصة القصيرة والمسرحية والمقالة وكان الوطن محورا أساسيا في كتاباته ،ولذا لم يكن غريبا أن يكون عنوان العدد الذي أصدرته الفصول الأربعة بمناسبة رحيله : عاشق الوطن ,رحم الله عبد الله الثوري ، سيظل اسمه حاضرا في الذاكرة الوطنية ، وتظل كتاباته ساطعة ،تلهم الأجيال الجديدة بأنبل القيم والمعاني

تعليقات