القائمة الرئيسية

الصفحات

أخر المنشورات [LastPost]

الشِّعْرُ وَالْحَرْبُ فِي لِيبْيَا

 


الشِّعْرُ وَالْحَرْبُ فِي لِيبْيَا

بقلم : سالم أبوظهير 

 الشاعرة الليبية خلود الفلاح كتبت مرة في حسابها على الفيس بوك هذه التدوينة: (تحت أصوات الطائرات ونغمات مختلفة من التفجيرات، سنحتفل في بنغازي باليوم العالمي للشعر، شعارنا "أنا الشاعر.. أنا حكاية مفضلة").

هكذا تعامل الشعراء الليبيون مع الحرب الطويلة التي فرضت عليهم ، بكل مأسيها ونقاطها الحمراء والسوداء، ولسان حال هؤلاء الشعراء، يؤكد أنهم حالة خاصة جديرة بالدراسة والإهتمام، وأن تراجع الإبداع في زمن الحروب والأزمات لا يعنيهم، حتى وإن كانت حربهم مختلفة ومؤلمة أشد الايلام، تخوضها أطراف ليبية ليبية يعتقد كل طرف أنه الوحيد على صواب.

وقد نقل كثير من الشعراء الليبيين واشاعرات الليبيات ، عبر نصوصهم الإبداعية تجاربهم الخاصة والشخصية في هذه الحرب، التي عايشوها وتعايشوا معها،  لتعكس تجاربهم في الوقت ذاته تجارب كل الليبيين. في هذه المتابعة وبما تسمح به المساحة المحددة سأستعرض محاولات بعض الشعراء ومواجهتهم بالحرف لهذه الحرب.

الشاعر أنيس فوزي يتساءل بوجع في قصيدة له عما فعلته هذه الحرب؟، ويوضح بنباهة كيف وقع الاطفال في أتونها؟ ليكونوا ضحيتها ووقودها..!

ماذا فعلت الحرب؟

الأطفال يدخلون فصولهم

بكراريس فارغة وأقلام ملونة

لتنفجر حقيبة طفل سابق

ترك المدرسة

ونسى قلبه

وحلاقة ذقنه.

ولد من سلالة الغول

وأفلام الرعب.

الشاعرة سميرة البوزيدي في إهداء مجموعتها الشعرية الحزينة «تحت القصف» كتبت: « كلما أتذكر كيف كنا تحت القصف لا أصدق ما جرى! إلى كل شهيد وجريح ومفقود نأمل عودته إلى ليبيا الكبرى.. لا اختلاف على الفرح كلما أتذكر كيف كنا تحت القصف لا أصدق ما جرى! إلى كل شهيد وجريح ومفقود نأمل عودته إلى ليبيا الكبرى..لا اختلاف على الفرح». وفي إحدى قصائد هذه المجموعة تصف التغير الذي طرأ في محيط الاسرة الليبية، والتدابير الاحتياطية التي تقرر أتخادها لمواجهة هذه الحرب:

نكٌدسِّ المؤن ونواصل خوفنا على أطفالنا

فيما نفُكر في لحظة وهن

في مكامن أخُرى تنأى بعيداً

عن حفرة الدم

ثم تصور الشاعرة في أسى جانبا من الهم النفسي الذي سببته الحرب فتقول:

كل ما نستطيعه هو القلق والخوف

ننظر بشجاعة في عيون بعضنا

نلوذ بالبيوت

نرقب الميم طاء المفزعة

ونقلق باستمرار

فيما يستعرض الشاعر رامز النويصري في قصيدته «طبول الحرب» تفاصيل خطته وخياراته المتعددة في مواجهة المعركة القادمة بطرق مختلفة فيقول

في انتظارِ معركةٍ قادمة،

قد تكونُ عندَ بابِ البيت،

أو في نهايةِ الطريقِ

سَأضمُّ صِغاري كلَّ مساء،

أحْكي عن السُّلطانِ الحزينِ، والفارسِ الشُّجاع

حتى يقرر ضمن خططه الاستعدادية للحرب تعويد أطفاله على سماع أزيز الرصاص وضجيج المعارك فيقول:

سأُعلّمهم كيفَ يبتسِمونَ للرصاص

وكيفَ يُزيحونَ صوتَ القتالِ بغِنائِهم.

الشاعر سالم العوكلي يقدم صورة صادمة لحالة الاب عند اشتداد القصف

على مرمى قذيفة من ساعة الحائط

أجمع شظايا أبنائي من أفق يتشقق

ثم يعرض الشاعر محاولاته المتكررة لطمأنة أطفاله

وكلما دوّى قصف في الجبال

أقول لهم إنه الرعد

ويبين فشله في ذلك وموضحا سبب فشله:

ولكن كيف لوهمي أن يصمد

وهم يعرفون هوية الانفجار من نبرته.

وفي مقطع أخر من نفس القصيدة يسرد العوكلي بألم وحسرة ما خلفته هذه الحرب اللعينة ومانتج عنها كونها حرب مختلفة يتقاتل فيها الاخوة

المقتول أخي والقاتل

وهذا الرأس الملفوف بالقصدير

كأني شربت معه القهوة ذات صباح

ومن لم تقتله الحرب بترت اطرافه:

والأطراف المبتورة تمشي كلَّ ليلٍ،

في كوابيسي، إلى قبورها الصغيرة.

أما الشاعرة حواء القمودي فتكتب بشكل غير مباشر عن بعض نتائج الحرب قائلة:

البلاد

البلاد

ليبيا التي حلُمنا

تتلاشى

تتناسل

تغدو بلداناً

وفي قصيدة أخرى للشاعر أنيس فوزي يرى أن للحرب فوائد رغم قساوتها والأمها فيقول:

وأهدتنَا الحرب مشاعرًا كثيرة

وذكرياتٍ تكفي لأكثرَ من عمرٍ واحد،

ولكنه يقرر في ختام قصيدته أن الحرب حرمته من فرصة اللقاء الأخير

ولكنّها في النهاية

حرمتنَا لقاءً أخيرًا

لوداعٍ حزين.

والشاعرة عائشة ادريس المغربي تكتب بأسى عن فجائع هذه الحرب فتقول:

انتهت الحرب

وتركت على رف المشتريات

كثيرا من الثياب البيضاء

كي ترتديها المدن العارية

للاحتفال والرقص

ثم تحاول إضافة تفاصيل أكثر لما حدث في بعض المدن الليبية فتقول:

هذا ثوب ملطخ بنجوم سوداء.. لتاورغاء..

وهذا ثوب بقلب مشنوق.. لسرت..

وآخر مرسوم بسبعات الهزيمة (لبني وليد)

وأثواب كثيرة مثقوبة القلب.. لبنغازي..

وثوب لغزالة هاربة

تركض بحسناء عارية.. لطرابلس.

الشاعرة رحاب شنيب تسكن في بنغازي وساهمت الحرب بشكل مباشر في تهجيرها من بيتها ومدينتها تكتب بلغة حزينة من منفاها داخل الوطن قصيدة لا ترغب في نظمها فتقول:

لا أشتهي القصيدة

هذه الليلة

وتواصل مستعرضة أسباب عزوفها عن كتابة القصيدة فتقول:

قصيدةٌ

لا تلثم ملامح المارة

في شوارع مدينتي المفجوعة

لا تسكن آهاتهم

ليس لها صوت القنابل

وصراخ الأطفال

وأنه الأرامل

وتواصل في سرد مأساتها بلغة حزينة من منفاها داخل الوطن فتقول:

قصيدةٌ

لا تتسكع

في مخيمات النازحين

وفي عقول

شبابنا المسلوبين

باسم الله.

وفي قصيدة أخرى عنوانها « عين واحدة » توجه رحاب شنيب رسالة لمن أسمتهم بالمقامرين بالوطن ومن أشعلوا نار الحرب في البلاد فتصفهم بما فيهم من خيانة ووضاعة وانتهازية من قامروا بليبيا في سبيل تحقيق مطامعهم وعلى حساب ركام البيوت المهدمة ودماء الضحايا فتقول:

حين يدركون

أنهم

خائنون مثلهم

وُضعاء مثلهم

وقتلة مثلهم

وأنهم

بنوا أحلامهم

على ركام البيوت

ودماء المجازر

أما الشاعر محيي الدين محجوب فيقرر بمباشرة ووضوح في قصيدته « الغميضة »  عدم اكتراثه بالموت وعدم خوفه من الحرب حين يقول:

قلت يا حبيبتي:

أمام قلبي..

ﻻ يمل الموت من لعبة الغميضة.

قلت..

ولست أبالي

بما يضمره الرصاص

لذاكرة الحرب

ومثله الشاعر عبد الباسط أبوبكر محمد الذي ينقل في قصيدته « قبر هُناك »  حالة عدم الاكتراث واللامبالاة التي يعيشها زمن الحرب، فيقول مخاطباً قبره:

لكنه سيعيدني

إلى ترابكَ

أيها الوطن

مطمئناً

ويتنبأ بوضوح توجسه من المستقبل وتوقع طريقة موته وسط أتون هذه المستعرة، وأن موته سيكون

بـ:

رصاصةٍ طائشة

أو سيارة مفخخة

أو فكرة تقطع الرأس!!

والشاعرة خلود الفلاح ترسم صورة مختلفة عما تخلفه هذه الحرب من ندوب في حياة الفتيات الصغيرات وصعوبة أن تنتهي تراكماتها لسنوات طويلة فتقول :

الفتيات الصغيرات

يملأن الفراغ

بحكايات قديمة

عن آباء ذهبوا إلى الحرب

وتعرض محاولات امهاتهن، لتخفيف حدة المصاب الجلل بصناعة الفرح

وأمهات يصنعن الفرح

الفتاة الصغيرة

مع الدمية الوحيدة

تتأمل بكاء الضيوف

عن آباء ذهبوا إلى الحرب.

ورغم أن شبح الحرب في ليبيا ،لايزال جاثما على صدور الليبيين ،والحديث عنها لا يكاد ينقطع بينهم ، إلا أن الشواهد التي تدل على أنهم يتحدونها ، ويستقطعون وقت مهم يتنفسون فيه الابداع ،ويحلمون بواقع مختلف فيه لذة الحياة ونعيم العيش بأمن وأمان ، يقودهم في هذا  الشاعر الليبي، الذي أتبث واقعياً أنه قادر على التحدي المفروض عليه، فقبله وأنتج منه إبداع يستحق أن يهتم به الناس رغم ضجيج الحرب، إبداع نجح الشاعر في أن يوظفه ليكون وسيلة من وسائل تخفيف حدة الالم والحزن والتشاؤم والخوف، فكتب كل شاعر قصائده العديدة عن هذه الحرب وبشكل مختلف عن شاعر أخر ،لكنها تمثل كلها حالات وجدانية متباينة تتفق في مضمون واحد تقريبا يقود لعنوان واحد ،وهو أن الشاعر الليبي الانسان ،لا يكره الحرب فقط ،لكنه يقاومها من أجل أن يكون وفيا لوطنه ليبيا ووطنيته الليبية .



تعليقات