القائمة الرئيسية

الصفحات

أخر المنشورات [LastPost]

الْمُصَالَحَةُ الْوَطَنِيَّة . . مَطْلَب لَابدُ مِنْهُ

 

الْمُصَالَحَةُ الْوَطَنِيَّة . . مَطْلَب لَابدَّ مِنْهُ 

صحيفة المنظار:جريدة الشرق الأوسط

كتب :سالم أبوظهير

لا تزال ليبيا تواجه تحديات داخلية وخارجية خطيرة، وتسعى جاهدة من أجل تجاوز أزماتها الخانقة، كما لا يزال جزء كبير من الليبيين وعلى مدار السنوات الماضية، متمسكين بالصبر والتفاؤل والأمل، وهم في انتظار أن تحقق لهم فبراير ، أهم مطالبهم في تأسيس دولة مدنية حقيقية فيها المؤسسات والعدل والقانون والعدالة الاجتماعية، والتداول السلمي على السلطة، بعد أن تخلصوا من نظام شمولي فردي حكم البلاد طيلة أربعة عقود طويلة.

ورغم الصعوبات الأمنية، وغياب سلطة الدولة، خاض الليبيون تجربة التحوّل السياسي، وحققوا مكاسب مهمة في هذا المجال كالتعددية السياسية والحزبية. ونجحوا في ممارسة الاستحقاق الانتخابي بشكل لم يسبق له مثيل، وللمرة الأولى منذ أكثر من أربعين عامًا، وذلك من خلال مشاركتهم السابقة الفاعلة في انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة، لاختيارأعضاء المؤتمر الوطني، ثم الهيئة التأسيسية ومن بعدها البرلمان، لكن أداء الحكومات والقيادات الليبية في مرحلة ما بعد القذافي، كان ولا يزال ضعيفًا جدًا، (وعن قصد أو بدونه )، أهملت هذه الحكومات المتعاقبة، التي تولت زمام الأموربعد موت القذافي ، التتعاطي بجدية مع كثير من الملفات المهمة نالتي كانت تقف عقبة حقيقية لبناء دولة حقيقية ، بعد أنتهاء حقبة الجماهيرية.

إهمال ملفات الوضع الأمني وبناء الجيش وإعادة هيكلة النظام القضائي،وغيرها كير من الملفات الهامة، كان مؤشراً يرتفع أويهبط، لكنه كان يشير دائما إلى الفشل الذريع لكل الحكومات، التي عول عليها كل ليبي لتصحح وضعه وتحسن أحواله، لكن وللأسف لم لم تتمكن أي من هذه الحكومات، من تحقيق النجاح بشكل كافٍ ومؤثر في الخروج بليبيا من الحالة الصعبة التي تمر بها، وفشلت هذه الحكومات أيضًا في تغيير الواقع المتخلف جدًا الذي مس كل جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية فيها.

كما لم تتمكن هذه القيادات من السيطرة على حدود البلاد، ومنافذها البرية والبحرية والجوية، فتحولت إلى بوابات مفتوحة بلا رقيب ولا حسيب، تدخل منها الجماعات المتشددة والإرهابية، ويتدفق عبرها السلاح والمخدرات، وأفواج الهجرة غير الشرعية، بوابات ومنافذ خارج سيطرة الدولة يتم عبرها تهريب النفط والحديد والنحاس والسلع المدعومة والآثار الليبية الغالية النفيسة. وتدريجيًا فقدت الدولة قوتها حتى تلاشت أحيانًا أمام قوة الميليشيات، والكتائب الأمنية والعصابات المسلحة التي تضاعف عدد أفرادها بشكل كبير، وتحولت ليبيا الكبيرة إلى مربعات صغيرة عبارة عن أوكار للجريمة المنظمة تمارس الخطف والقتل والتهريب وتستبيح مرافق الدولة العامة وتتخذها مقرات رئيسية لها تمارس منها سطوتها وتفرض قوتها على الليبيين.

وقد كان لغياب المجتمع الدولي، وتخليه عن مساعدة ليبيا، دور مهم في تفاقم المشكلات والأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية وبقائها دون حل، فقد كان من المنتظر أن تسهم هيئة الأمم المتحدة بدور فاعل في دعم المصالحة الوطنية الشاملة والعمل على إنجاحها، وتساعد الليبيين أيضًا في التصدي لمتطلبات إعداد الدولة لمرحلة الانطلاق والبناء والتنمية، وتزويد ليبيا بالخبرات البشرية والفنية اللازمة لمساعدتها في إعداد سياستها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية بعد الحرب. لكن المجتمع الدولي تقاعس عن مساعدة الليبيين في إعادة بناء دولتهم، وتركهم يواجهون الحرب القذرة والفوضى.

هذه الفوضى المتراكمة أنتجت مجتمعًا غير مستقر، يشوبه الفساد في جميع مفاصل الدولة، خصوصًا ما يتعلق بالاستيلاء على المال العام، في ظل غياب أو ضعف المؤسسات الرقابية والمحاسبية، كما برزت آيديولوجيات لم يكن المواطن الليبي على عهد بها، ولا علاقة لها بالوطن، أنتجت طبقات سياسية منفصلة عن مؤسسات الدولة الهشة التي فقد المواطن ثقته فيها، وتحولت هذه الطبقات تدريجيًا إلى سلطة موازية، أقوى بكثير من مؤسسات الدولة الرسمية تحميها الميليشيات والكتائب المسلحة وتخدم مصالحها فقط.
التدخل الخارجي أجج الخلافات القائمة بين المتصارعين الليبيين على السلطة، وذلك بتقديم أنواع مختلفة من الدعم لكل فريق من الفرق المتقاتلة، دون إطلاق مبادرة حقيقية من جانب الأطراف الخارجية، تعمل على وقف الاقتتال ودعم المصالحة الوطنية الشاملة في هذا البلد، الأمر الذي زاد من تصاعد الأزمات وانعكس هذا بشكل تلقائي على حياة المواطن الليبي اليومية، وتقلصت مطالبه من العيش في رفاهية، إلى الاكتفاء بتحقيق المتطلبات الأساسية التي صارت مطلبًا يصعب تحقيقه فارتفعت الأسعار، ونقص الوقود، واختفت السلع الضرورية، ولم يعد يشعر بالأمن والأمان في وطنه.

وللوصول بليبيا إلى بر الأمن والأمان والتنمية والدولة المدنية الديمقراطية، لا بد أولاً من تحييد العامل الخارجي، مع المطالبة بدعم المجتمع الدولي، وهيئة الأمم المتحدة، التي يفترض أن تقوم وبشكل عاجل بوضع وتنفيذ استراتيجية فعالة لتأمين حدود ليبيا ومنافذها ومراقبتها، كما لا بد أن يعجل الليبيون بالاستفتاء على الدستور وإقراره، لأنه صمام الأمان الوحيد الذي سيعيد للدولة الليبية هيبتها، ويمهد الطريق سهلاً لتأسيس العدل والأمن، وحماية وصون إستقرار الوطن، وسيسهم كذلك في تسريع وتفعيل عملية المصالحة الوطنية التي ينتظرها كل الليبيين.



تعليقات