أخر الأخبار

(ابلة فتحية) قصة قصيرة بقلم أسماء مصطفى القرقني

قصة قصيرة

(ابلة فتحية) قصة قصيرة بقلم أسماء مصطفى القرقني

صحيفة المنظار: منبر الأدب الليبي والعربي والعالمي

.... كل الطالبات كانت تقشعر ابدانهن من مجرد ذكرها، (ابلة فتحية)، هذا الاسم يحترمه ويرهبه الجميع في المدرسة، ابتداء من المديرة نفسها وانتهاء بحارس الباب،..كانت دائما ترتدي تنورة سوداء فضفاضة تضيع معها معالم جسدها المكتنز ، وسترة طويلة باللون البني ووشاحا اسودا، تربطه بأحكام شديد على وجهها الضخم الملامح، وكأنها تخبئ تحته كنزا  تخاف ان ترصده العيون، اما حذائها فكانت له دقة  مميزة لا يخطئها احد رغم انه لم يكن كعبا عاليا.
(ابلة فتحية) لم تكن ترتدي اي اشياء تمت الى الانوثة بصلة، بل كانت في مشيتها التي تشبه العسكر، تتبرأ منها وتبعدها عنها كتهمة مشينة، تقريبا لم تكن تغير ملابسها،نفس الهندام ترتديه كل يوم،  والكل  يعرفها حتى بدون ان يرى وجهها.
 لم اكن انا وصباح و سلمى، نشذ عن بقية اسرة المدرسة في الخوف منها، ومن نظراتها الفاحصة، في الطابور الصباحي اليومي، فالمدرسة تخضع بالكامل للصمت المطبق عند سماع صوت حذائها، وهي تتحرك بسرعة وحزم بين الصفوف، لتشرف على النظام وتعاقب المخالفات للزي المدرسي، ومن يضعن اي نوع من الماكياج او طلاء الاظافر، عقابا اصبحت جميع البنات  يعرفنه ويحاولن قدر جهدهن تجنبه،.فصفعة ابلة فتحية ليست كأي صفعة، وشدها للأذن لا تماثلها اي شدة، وجلدها بالعصا يشبه تعذيب السجون ، ويبقى في الذاكرة  لمدة طويلة كذكرى بغيضة تحاول  قدر امكانها الا تعاد او تتكرر,
 رفيقتاي كن يختلفن عن بعضهن  كأختلاف حلكة الليل عن نور النهار، فسلمى لم اكن احمل لها الكثير من الود، وسبب شح حبي لها هو تعاليها واستعراضها لما تملك بسبب وبدون سبب.، داائما تتباهى بأدواتها المدرسية الجميلة المختلفة عن ادواتنا المتواضعة، و تختال  بحافظة اقلامها الملونة والمرصعة بالخرز اللامع،التي كانت اقرب في شكلها لحقيبة ادوات تجميل لسيدة مترفة، منها لحافظة اقلام تلميذة في الصف التاسع ، سلمى تخبرنا  بكل فخر ان اهلها اثرياء، و يسافرون باستمرار الى اوروبا،يجلبون معهم كل ما تشتهي نفسها،.كنا ننبهر بتلك الاشياء وننظر لها بأعجاب ودهشة، كنا مراهقات مازلن في بداية مشوارهن البكر، وكل منا تحلم ان  تتمتع يوما بمستوى من الحياة كالذي تتمتع به سلمى واهلها، خاصة صديقتي صباح.،التي تنتمي لأسرة كادحة كبيرة العدد، بالكاد تستطيع ان توفر لها الملابس والكراسات، و لا تمتلك سوى حذاء واحد مهترئ ،لا معالم له من كثرة الرتق والإصلاح.، كانت صباح تردد في احيان  كثيرة،عندما نجتمع بأنها تحسد سلمى، وتتمنى ان تمتلك كأدواتها الرائعة واحذيتها المختلفة، التي كانت تبدلها باستمرار الى ان شدت لها اذنها ابلة فتحية ومنعتها من لبس اي لون غير اللون الاسود.
ذلك اليوم دخلنا الى الفصل بعد استراحة الافطار، ووجدنا سلمى قد سبقتنا وكانت تهدد وتتوعد، ان من سرقت محفظة اقلامها ستدفع الثمن غاليا،.وانها ستستعين بأبلة فتحية حتى تظهر السارقة ،كانت تنظر الى وجوهنا بدقة توحي بشكها فينا، وبالأحرى شكها في صباح،نظرت الى صباح فوجدت قسماتها تكتظ بالفزع، وعيناها تحتشد بالخوف، ونظرات سلمى التي تركزت عليها تزيدها ارتجافا ،انا لم ارتاب للحظة في  صباح، فأنا اعرف جيدا انها فتاة حميدة الخلق، حتى وان كان الفقر قد اوجعها، وجعلها تحسد سلمى، وتتمنى ان تكون مكانها،لكن سلمى كانت قد سلطت نظراتها عليها، وبدت امواج الشك تتلاطم في عينيها وتسقط رذاذها ، على بقية وجهها ،حتى لم تعد تتحكم في  طوفانها وغضبها المرتسم بقوة على محياها، .وخرجت بغضب لتنادي ابلة فتحية.
سمعنا دقات حذائها في بداية الممر، وكلنا في حالة من الجزع ،لا نحسد عليها ،.وعند دخولها اخذت تنظر الى وجوهنا نظرات شرسة وكأننا مجموعة من اللصوص، قد اثبتت التهمة علينا جميعا وننتظر صدور الحكم،وبدأت تفتش حقائبنا،.وتفتشنا تفتيش شخصي ايضا.،.وحافظة اقلام سلمى لم تجدها بعد.، ولكنها وجدت مقتنيات اخري... وجدت عند احداهن مرآة، وعند اخرى قلم احمر شفاه واخرى مشط،وتوالى ظهور الطالبات ووقوفهن على الجدار،بسبب ماوحدته ابلة فتحية في حقائبهن،ووصلت الينا،كنت ارتعد  كريشة في مهب الريح، رغم ثقتي في نفسي، وفي حقيبتي التي لا تحمل سوى الكتب، الا ان وقوف ابلة فتحية امامي، جعلني  اشبه الضحية التي تتوقع هجوم القاتل في  احد افلام هوليوود المرعبة،.واكملت تفتيش حقيبتي بسلام،وامسكت  بحقيبة صباح القديمة، التي حال لونها وبهت وانكسر قفلها، مما اضطرها لاستعمال حزام لربطها،وطلبت منها ان تفتحها،واخذت صباح تحل عقدة الحزام، وهي في قمة الحرج ويدها ترتعش، كيد عجوز بلغت من العمر عتيا،وسحنة وجهها يحاكي الاموات، حتى انني اشفقت عليها، و خفت ان يحدث لها مكروه.
وفتحت صباح حقيبتها بعد عناء،  وسلمتهالابلة فتحية ،التي فتشتها ببطء وتركيز،وعيون الجميع كانت تتابعها.بوجل، وتتوقع الأسوأ.، وتنفست الصعداء عندما سلمت صباح حقيبتها دون ان تجد شيئا فيها.
 بعد اربعة ايام، فوجئت بصباح تزورني في البيت دون ان تعلمني على غير عادتها ، وكانت .تعابير وجهها مزدوجة، اختلط فيه  الفرح بالحزن، وامتزجا حتى كونا شعورا آخر حرت في وصفه،وشعرت انها تريد ان تقول شيئا لم تعرف كيف تبدأه،وبعد بضع الوقت قالت بصوت خجول::
~(ابلة فتحية وجدت حافظة اقلام سلمى في حقيبتي ولكنها لم تتكلم !!!.)
ونظرت إلي لترى ردة فعلي،.ثم اردفت وذلك الشعور الذي لم استطع وصفه مرتسم على محياها::
~(وفي نفس اليوم قامت بزيارتنا في البيت)
وعندها اشتد بي الفضول وحثثتها لتكمل،.قالت لي: انها رأت ابلة فتحية اخرى غير التي نراها في المدرسة.، وانها عند زيارتهم ورؤيتها  وضعهم السئ ورقة حالهم وبيتهم المتصدع ، جلبت لها حقيبة جديدة وحافظة اقلام تحاكي حافظة سلمى وربما اجمل، بعد ان اخذت منها حافظة سلمى، ووعدتها ان ترجعها لها، بطريقتها ودون ان يعرف احد،.وكيف انها بنبلها  وحنانها،  و بدون ان  تنصحها او تطلب منها الا تسرق مرة اخرى، اعطتها درسا عظيما، جعلها تقسم الا تمد يدها لشى مرة اخرى، مهما بلغ اعجابها به وتوقها للحصول على مثله.
منذ ذلك اليوم لم تعد ترهبني دقات حذاء ابلة فتحية، ولا نظراتها المخيفة، ولم يبق في نفسي تجاهها، سوى الإحترام والتقدير والاعجاب، بعد ان استوعبت ان المظاهر القاسية، قد تخفي ورائها قلبا كبيراً، يزدحم بكافة معاني الإنسانية والحب، تحاكي مافي قلوبنا و قد  تتفوق عليها بمراحل.
(تمت)












تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -